دور التدخل الحكومي في الزراعة السورية

كتب الدكتور نور الدين منى- فينكس*:

تهتم السياسة الزراعية التي تنتهجها الحكومة بمجموعة من القوانين المرتبطة بالقطاع الزراعي والمنتجات الزراعية (الصادرات والواردات). وتهدف هذه السياسات إلى نتائج محددة على صعيد أسواق المنتجات الزراعية، لضمان مستوى مستقر من عرض الإنتاج، واستقرار الإنتاج، وضمان جودة المنتجات، وتحقيق الاستعمال الأمثل للأرض والموارد البشرية والطبيعية.

من أهداف التدخل في القطاع الزراعي (السوق):

  ضمان الأمن الوطني، والغذائي، والمائي، والبيئي، وحماية البيئة، وإدارة الأراضي، وكذلك تحقيق التنمية الزراعية (الريفية)، وتحسين دخل المناطق الفقيرة، وكذلك قضايا الزراعة التجارية.

 الزراعة السورية (أكثر من 95% منها) تخضع لإدارة وملكية خاصة.

 هذا يقتضي ترك الإجراءات العملية للنهوض بقطاع الزراعة للقطاع الخاص والمزارعين، لأنهم الأعلم والأكفأ للقيام بهذه المهمة. فالحكومة وأجهزتها لا تحسن إدارة التفاصيل، ولا تجيد التعامل معها.

 ومن مقتضيات التدخل الحكومي تبني سياسات فاعلة، تدعم دور القطاع الخاص والمزارعين في تحقيق الأهداف المطلوبة؛ للنهوض بالقطاع الزراعي في كافة المجالات.   

يوجد ثلاثة مجالات هامة للعمل في الاستراتيجيات، التي لها حساسيتها للتنمية الزراعية والريفية المستدامة، في ظل مجموعة كبيرة من الأطر. وهذه المجالات هي:

 بناء القدرات وتعزيز المؤسسات، حشد الاستثمارات، ونشرالتكنولوجيات التي تحافظ على البيئة على مستوى المزرعة، والسياسات للنهوض بالإنتاجية الزراعية وإدارة البيئة الطبيعية، و تبني نظم الإنتاج المستدامة المكثفة.

يعتبر الإنفاق الحكومي على الزراعة أحد أهم الأدوات اللازمة لتعزيز النمو الاقتصادي، والتخفيف من حدة الفقر في الريف، وبالتالي يعتبر الإنفاق العام من أهم أدوات السياسة المالية فعاليةً في تحفيز الطلب الكلي، ما يؤدي إلى استجابة مقابلة من جانب العرض فيزيد الناتج القومي وبالتالي النمو الاقتصادي.

فالإنتاجية لن تتحسن إلا باستخدام تكنولوجيات حديثة، بما في ذلك استخدام الآلات، والأصناف النباتية والحيوانية المحسنة، ورعاية أفضل للمحاصيل قبل وبعد حصادها، وزيادة الاستثمارات وفرص الحصول على المياه قبل كل ذلك.

إن الاستثمار في الزراعة والتنمية الريفية، لا يحظى بالأولوية الأولى لدى الحكومات في كثير من الأحيان.. ولذا يذهب الجزء الأكبر من المساعدات الرسمية للتنمية إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى.

 يتجلى دور الحكومة في دعم و تقديم الخدمات الإرشادية والمؤسساتية التالية :

- البحث العلمي الزراعي ومستلزماته.. لأن البحث الزراعي يجب أن يكون بمثابة قاطرة للتنمية الزراعية / الاقتصادية والمعرفة.  

 - تأمين المستلزمات الإنتاجية وعوامل الإنتاج سواء محلياً أو خارجياً (أدوية - أسمدة- بذار محسّن).

- سن تشريعات جديدة أو تعديل التشريعات.. لتنسجم مع الواقع الاقتصادي، وضمان تطبيقها.. تسرع من عملية التنمية الزراعية.               

 - وبنفس الوقت تكافح الفساد (من خلال عمليات: استيراد / تصدير، إنتاج، تسويق، تمويل...) إذ يعتبر الفساد العدو الأول للتنمية الاقتصادية في سورية...

- حفظ الموارد الطبيعية والبيئية؛ لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وحفظ حقوق الأجيال القادمة.

ضعف آليات التنسيق بين الجهات الرسمية وغير الرسمية في القطاع الزراعي

 - كما هو معروف فالزراعة كنشاط بشري واقتصادي، يغلب عليها البعد البيولوجي/ الزمني  (في إشارة لمراحل و زمن الإنتاج). وخلال ذلك قد تتعرض الزراعة للمخاطر وعدم تأكدية خلال الجني.. التسويق..وحتى التخزين. فأي خلل في أي مرحلة بالسلسلة يؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي كماً ونوعاً.

- إنّ النهوض بالقطاع الزراعي، بما يشمل التوسع والتنوع في الإنتاج وتشجيع الصناعات الغذائية القائمة على المنتج الزراعي، يضع على عاتق وزارة الزراعة إيجاد استراتيجية وطنية شاملة للنهوض بخطط مدروسه بعيدة المدى، تساهم فيها الوزارات ذات العلاقة.

يناط بوزارة الزراعة دور الإشراف وتقديم خدمات العملية الإنتاجية.. لذلك في بدء سلسلة الإنتاج، توجد مسؤولية الزراعة، وتبدأ في الإشراف من البذر والحراثة حتى الحصاد.

لمّا كانت الزراعة هي عبارة عن أرضٍ وماءٍ وإنسان و رأسمال و طبيعة وعمل حكومي وانسجام وتفاعل هذه العناصر بين الأرض وبقية عوامل الإنتاج مع الإنسان (الجانب الإداري والعضلي.. عمل الفلاح).

 فبقدر ما يكون الانسجام كبيراً يكون الإنتاج عالياً.. ويكون الأمن الغذائي في أبهى حالاته.

ولكن للأسف.. كل عنصر من هذه العناصر له مشكلاته وله معوقاته:

 - سواء كانت الكفاءة بالنسبة للعامل البشري.. أو عدم اتخاذ القرار السليم.

- يسجل ضعف عملية التنسيق والتشابك بين الجهات الحكومية. هناك  ضعف حاد في آليات التنسيق بين جميع الأجهزة والمؤسسات المتعاملة مع القطاع الزراعي والمتمثل في: وزارة الزراعة (إنتاج) – وزارة الموارد المائية (الري الزراعي) – وزارة الصناعة – وزارة المالية – وزارة الاقتصاد – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (كليات الزراعة والطب البيطري) / نقابات (المهندسين الزراعيين – أطباء بيطريين) – الاتحاد العام للفلاحين – غرف زراعية...

وكلُّها لم تؤدِ وظائفها بشكل صحيح، والعوامل متعددة والأسباب متنوعة.. والذي أثّر بدوره على الأمن الغذائي السوري.

- تعتبر آليات التعاون والتنسيق ضعيفة وغير مهنية مع المنظمات الدولية (بحثية وتنموية) والعربية  في مجال التعاون الدولي، وفهم ذهنية وآليات عمل المنظمات والهئيات الدولية العاملة في القطاع الزراعي.... ليس فقط المنظمات، وإنما أيضاً الجهات المانحة أو المراكز الدولية، بما يخص العمل على تحقيق مشروعات لسورية، أو جلب تمويل لتلك المشروعات.

يعتبر الملف السوري في منظمات الأمم المتحدة في مجال الزراعة.. ضعيفاً جداً. وهذا من خبرتي الدولية والشخصية.. والأسباب:

- ضعف التنسيق والتعاون الفعلي مع المنظمات الدولية في مجال الزراعة والتنمية.

- ضعف الكوادر الإدارية والخبرات.. في مجال كتابة وصياغة المشاريع المقترحة، وتقديمها للدول والجهات المانحة.

- إذ يغلب على المشروعات التركيز على منافع شخصية وزيارات لأفراد ومديرين..!

- ضعف في الصياغة والإقناع الدبلوماسي والعلمي للحصول على مشروعات تنموية.. لذلك سورية أضاعت فرصاً كثيرةً في هذا المجال..

- ضعف في المهارة التقنية وفن كتابة وصياغة مسودات المشاريع وتقديمها.

- ضعف المهارة الدبلوماسيّة والقياديّة في عرض مسودات المشاريع لإقناع الجهات المانحة، وآلية تنفيذ المشروعات في حال تمت الموافقة عليها.  

تعرّض القطاع ا لزراعي خلال الحرب السورية مثل بقية القطاعات الإنتاجية / الاقتصادية، لما يسمى علمياً بـ"الصدمات":

 - من صنع البشر(حروب- صراعات-  قتال - تدمير- حرق- سرقات.. الخ)

- أو نتيجة كوارث طبيعية (فيضانات- جفاف- حرائق.... الخ).

- ولهذا تفاقمت مشكلة الإنتاج الزراعي، وزاد التعدي على الأراضي والحراج من خلال التوسع  السكني ومشاريع إنتاج حيواني غير مرخصة..

هذا يتطلب في المرحلة القادمة العمل على إعادة الإعمار وإحياء الأرض ثانية:

- إحياء وإعمار الإنسان قبل المادة.. والمقصود إعادة إعمار البناء الداخلي للإنسان..!

- يفترض من الحكومة والوزارة ذات العلاقة وضع استراتيجية زراعية متكاملة، تعرف ب  (استراتيجية تحت ظروف الكوارث):

 (برنامج الأمن الغذائي، برامج إدارة الموارد الوراثية، برامج إدارة الموارد الطبيعية / الموارد المائية.. وحماية البيئة، برنامج مكافحة حيوية / متكاملة، برنامج البحوث الزراعية، برنامج التسويق الزراعي).

خطط مستعجلة لانقاذ وتطوير الزراعة تحت ما يسمى بظروف "النزاعات والأزمات"

  • - تأمين مستلزمات الإنتاج بشكل عاجل وفوري.
  • - استصلاح قنوات الري والآبار ومستلزمات الري الحديث.
  • - تقديم تسهيلات مالية (قروض).
  • - القطاع الحيواني (زيادة حجم القطيع، إدارة حديثة وجديدة، تأمين الأعلاف).
  • - مسح إحصائي فعلي وسريع.. يفيد في التخطيط والإدارة وتطبيق السياسة الزراعية؛ لصنع أفضل القرارات. (للأسف كانت ولا تزال توضع الخطط الزراعية اعتماداً على مؤشرات وأرقام إحصائية غير دقيقة وغير موثوقة).
  • - تقييم الموارد المائية التي لم تتأثر بالنزاعات.
  • - مشاريع صغيرة لدعم الأسر الزراعية.. ومشاريع علاجية مستعجلة.
  • - دعم خطط الاقتصاد المنزلي والمشاريع الصغيرة لدعم الأسر الفقيرة. وإدخال زراعات ذات عائدية ربحية واجتماعية (نباتات طبية /عطرية).

وخلاصة القول:
 يتوجب على الحكومة مساعدة القطاع الزراعي على إنجاز الأهداف المطلوبة منه، لأن القطاع الزراعي هو المحور الاقتصادي الأهم، وعليه تتكئ الحكومة لتوفير احتياجات الشعب ذاتياً وضمان الأمن الغذائي. ويكون الاهتمام بالقطاع الزراعي: بتوفير إرشاد زراعي حقيقي، وتفعيل دور الوزارة مع المزارع وتوجيهه نحو الزراعات ذات العائد المالي..  خاصة أن التسويق مشكلة أساسية في هذا القطاع الهام والحيوي، دعم الصادرات في فترات إغلاق الحدود، وزيادة مساهمة الحكومة في صندوق إدارة المخاطر الزراعية، وإدارة استخراج المياه الجوفية لتحقيق الأمن المائي.

إضافة لتطوير الصناعات الزراعية، ومساعدة المزارعين للتحول الى الزراعة ذات القيمة العالية... لتشكيل القاعدة التي سيتم البناء عليها؛ لإعداد خطة التعافي في قطاع الزراعة. 
 *أستاذ جامعي و خبير أممي سابق و وزير زراعة أسبق.