السياسة والاقتصاد... من يأتي أولاً؟

كتبت الدكتورة لمياء عاصي- فينكس:

تاريخياً ارتبطت السياسة بالاقتصاد بشكل وثيق ومعقد، يكاد لا يمكن التحدث عن أحدهما بمعزل عن الآخر، وشكلا معا علم "الاقتصاد السياسي"، الذي يقوم بتحليل العلاقات والأزمات الدولية بناء على  نظرياته المعرفية حول أهمية السوق في تنظيم اقتصاد البلد، وتدخل هذه النظريات في صميم الايديولوجيات الفلسفية الثلاثة (الواقعية والليبرالية والاشتراكية)، والتي باتت تشكل معظم  الأنظمة السياسية والاقتصادية في العالم.

كانت ولا زالت لعبة السياسة تختزل مسائل السيطرة والقوة والثراء معاً، وبالتالي فإن حضور المصالح الاقتصادية نجده في عمق القضايا والنزاعات الدولية قديما وحديثا، وما نشهده اليوم، من حروب وثورات وأزمات ونزاعات دولية تصب مجتمعة في البعد الاقتصادي ويمكن فهمها ضمن إطار السعي للسيطرة على الموارد وخطوط نقل الغاز والنفط أو حروب تجارية هدفها تقويض القوة الاقتصادية للدول الأخرى، مثل: الحروب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

إن العلاقة المعقدة والمتشابكة بين السياسة والاقتصاد قد تحتاج الى كتب كثيرة، وليس الى مقال بعدة أسطر، ولكن هنا ستتم مقاربة الموضوع بشكل مختصر جداً، وبما يتعلق بهذه الأسئلة:

كيف يتم تحديد أولويات البلد... هل تقوم بذلك السياسة أم الاقتصاد؟ هل تعمل السياسة في خدمة الاقتصاد في عصرنا الحالي أم يعمل الاقتصاد كتابع للعلاقات السياسية؟

في سورية، معظم الاتفاقيات والسياسات والقرارات، تم توقيعها بناء على مصالح أو علاقات سياسية ولم تجرِ مناقشتها بطريقة اقتصادية بحتة، أي أن الاقتصاد لم يأخذ نصيبه الكافي من الاهتمام، والأمثلة على ذلك كثيرة.

  • في عام 1998 تم التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى، ال GAFTAحيث كان الهدف من الاتفاقية  تشجيع التجارة البينية فيما بين الدول العربية، وتم الوصول  بناء على قرارات القمة العربية الى اعفاء جمركي كامل بين الدول العربية بحلول عام 2005، والوصول الى منطقة تجارية حرة بين الدول العربية، ولكن في ظل تباين الرسوم الجمركية بين الدول العربية، وعدم وجود جدار جمركي واحد للدول العربية، حيث تصل نسبة الرسوم الجمركية في بعض دول الخليج مثلاً الى 4%  بينما  تبلغ الرسوم في دول أخرى معدلات  30- أو 40% مثل سورية، ذلك أدى الى  إساءة استخدام تلك الاتفاقية، وأصبح التجار يستوردون البضائع الآسيوية الى الدول العربية ذات الرسوم الجمركية المنخفضة،  ويغيرون اللصاقة، ثم  يتم توريدها  الى سورية، على أنها بضائع عربية المنشأ، فالإمارات مثلاً، أصبحت بموجب إساءة استخدام هذه الاتفاقية منتجة لكثير من البضائع التي تصنع في دول أخرى. 
  • لاعتبارات سياسية بحتة، تم توقيع اتفاقية "الأخوة والتعاون والتنسيق اللبنانية السورية" عام 1991، ونجم عنها آثار اقتصادية سلبية جمة، بسبب عدم وجود جدار جمركي موحد بين البلدين، فضلا عن عمليات التهريب بالاتجاهين، وطبقا لنظرية الآواني المستطرقة، لا يمكن  معالجة هذه القضايا إلّا بتوحيد الرسوم الجمركية والسياسات الاقتصادية بين البلدين.
  • تم توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا عام 2007، وبناء على رغبات سياسية من الطرفين، تلك الاتفاقية لم تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاقتصادية لصغار المنتجين السوريين، سواء  أصحاب الورش أو المعامل الصغيرة، والتي اضطرت الى إغلاق أبوابها وانقلب المنتجون السوريون الى مستوردين بينما واجه العمال المزيد من البطالة والفقر، هذا عدا عن البنود المجحفة وغير المتكافئة في هذه الاتفاقية التي تعطي لتركيا الحق في فرض رسوم لصالح الأسر الفقيرة بحدود 28%، بينما تدخل البضائع التركية الى سورية بدون أي رسوم جمركية، بعد نشوب الحرب السورية  عام 2011 جرى تعليق تلك الاتفاقية، وكذلك فإن العلاقات السياسية الاستثنائية مع ايران لم تنعكس على العلاقات الاقتصادية بمستوى مماثل، واتفاقية التجارة الحرة مع ايران وضعت بالتنفيذ حديثا.
  • في ماليزيا، مثال واضح على أن ضمان مصالح المواطنين الماليزيين الاقتصادية هي فوق أي اعتبار سياسي، فقد تم تعليق المفاوضات، حول اتفاقية تجارة حرة بين ماليزيا و الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل منتجي الأرز في ماليزيا لأنهم سيتضررون من هذه الاتفاقية، ولأن الأمريكان اشترطوا موافقة الحكومة على المحاصيل المعدلة وراثياً، ومن أجل المستهلكين الماليزيين، لهذه الأسباب  تم تعليق التفاوض حول هذه الاتفاقية منذ ما يزيد عن العشر سنوات،

أخيراً: المصالح السياسية بالتأكيد تحتل رأس الأولويات عندما تتعلق بتهديد وجودنا وأمننا، ولكن ماعدا ذلك تبقى مصالح المنتجين وعموم الناس الذين من الممكن أن يتضرروا من مثل تلك الاتفاقيات، هي معيار المصالح الحقيقية والمقياس الصحيح والفعال والآمن للعلاقات بين الدول.