مفاهيم اقتصادية معاصرة: بين عدالة الأنظمة وتشوهات الواقع

فراس حمدون

جزء ثالث: الأوليغارشية (Oligarchy).
"الطبقة النخبوية والخصوصية الروسية"
"احتفظوا بملياراتكم، ولكن ابتعدوا تماماً عن السياسة.. ومن سيتحدى الدولة سيفقد كل شيء، حتى حريته!" فلاديمير بوتين
في صيف عام 2000، وتحديداً في قصر المندوبين بالكرملين، جمع الرئيس الروسي الجديد حينها، فلاديمير بوتين، عمالقة المال الذين ورثوا تركة الاتحاد السوفيتي.
لم يكن الاجتماع ودياً، بل كان "إعلان طاعة" رسمي أنهى الحقبة التي كان يوجّه فيها أصحاب الملايين سياسات الدولة، لتبدأ حقبة جديدة تُخضع فيها الدولة أصحاب الملايين.
إذا كانت رأسمالية المحاسيب هي "النظام"، فإن الأوليغارشية هم "الأفراد النخبة" الذين يتربعون على عرش هذا النظام.
الأوليغارشية كمصطلح سياسي تعني "حكم القلة"، والأوليغارش الروس يمثلون طبقة محددة جداً من رجال الأعمال الفاحشي الثراء الذين جمعوا بين الثروة الطائلة والنفوذ السياسي المباشر.
1. الخصخصة الكبرى والنشأة التاريخية
على عكس رأسمالية المحاسيب التي قد تنشأ وتتطور تدريجياً، ولدت الأوليغارشية الروسية من صدمة تاريخية فريدة في تسعينيات القرن الماضي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وتحوله الفجائي من الشيوعية إلى الرأسمالية:
تحول الملكية: تحولت أملاك الدولة الهائلة فجأة (من قطاعات النفط، والغاز، ومناجم المعادن) إلى الملكية الخاصة فيما عُرف اقتصادياً بـ"العلاج بالصدمة".
القروض مقابل الأسهم: استغلت مجموعة صغيرة من الأفراد المقربين من السلطة في عهد الرئيس بوريس يلتسن غياب القوانين وفوضى المرحلة،
واشتروا هذه الثروات القومية بأسعار بخسة "تراب الفلوس" عبر نظام قروض مجحف وصياغة هندسة مالية مشبوهة لصالحهم عام 1995.
صعود مفاجئ: تحول هؤلاء الأشخاص بين ليلة وضحاها إلى مليارديرات يملكون نفوذاً تغلغل في عمق الدولة، دون أن يبتكروا أو يخترعوا شيئاً، بل عبر الاستحواذ على إرث الدولة المنهارة.
2. ميزان القوى وانعكاس اتجاه النفوذ
شهدت العلاقة بين الثروة والسلطة في روسيا محطتين تاريخيتين عكستا اتجاه النفوذ تماماً:
مرحلة التسعينيات (الأوليغارش هم الأقوى): كان الأوليغارش هم من يصنعون النظام السياسي ويتحكمون في توجهات الكرملين.
هم من موّلوا إعادة انتخاب الرئيس يلتسن عام 1996، وتأثيرهم امتد لتعيين وعزل الوزراء والتحكم الكامل في وسائل الإعلام الرئيسية لخدمة مصالحهم الشخصية.
مرحلة ما بعد عام 2000 (صعود بوتين وإعادة الإخضاع): انقلبت المعادلة مع صعود فلاديمير بوتين. وُضع الأوليغارش أمام العقد الاجتماعي الفاسد:
"المال لكم، والسياسة لي".
ومن رفض الانصياع واجه السجن أو النفي (مثل الملياردير ميخائيل خودوركوفسكي).
التحول الهيكلي: نتيجة لهذا الإخضاع، تحولت روسيا من "أوليغارشية تقود الدولة وتوجهها"، إلى "رأسمالية محاسيب" تابعة بالكامل لسيطرة الدولة ولطبقة جديدة من النخبة الأمنية (السيلوفيكي Siloviki)، حيث تظل الثروة مشروطة بالولاء المطلق للنظام السياسي.
لا يمكن للأوليغارش الظهور والنمو والسيطرة بدون "رأسمالية المحاسيب"؛ فهي البيئة والمناخ والتربة الخصبة التي تسمح لثلة قليلة باحتكار الثروات وحمايتها عبر القوانين المفصلة والفساد البنيوي.
باختصار: رأسمالية المحاسيب هي اللعبة الفاسدة، والأوليغارش هم اللاعبون الكبار الذين يربحون منها دوماً.