شعبٌ منافق..
سمير جبارة
شعبٌ لألوء بيئأمئم للرايح و بيصفق للجاية..
حتّى التاسع و العشرين من نيسان 1949 كانت سوريا كلّها تخرجُ في مظاهرات تهتف للرئيس شكري القوتلي:
شكري بيك لعينيك.. نحنا رجالك بين أيديك..
شكري بيك لا تهتم عندك شعب بيشرب دم..
و كان "الهتّاف" الرئيسي في تلك المظاهرات شخص يدعى أمين نصري.. وهو والد مصطفى نصري و جدّ المغنية أصالة..
في اليوم التالي.. أي في 30 نيسان 1949 حصل انقلاب حسني الزعيم.. فخرج المتظاهرون أنفسهم (أنفسهم مو غيرهم و الهتّافون أنفسهم) يهتفون بحياة حسني الزعيم و يشتمون القوتلي و يعلقون صوره على أذناب الحمير..
و في واقعة أخرى شهدتُها بنفسي حين كنتُ لا أزالُ طفلاً.. حيثُ اصطحبني والدي إلى مركز المدينة ممسكاً بيدي.. كان ذلك يوم الانفصال في 28 أيلول 1961..
مشينا من البيت في دمشق القديمة عن طريق القيمرية و سوق الحميدية حتى شارع النصر حين شاهدنا مظاهرة ضخمة بقيادة أحد كبار المحامين (لن أذكر اسمه لأنّ ابنه كان زميلي في المدرسة و ما زال بيننا سلام حين نلتقي بالصدفة).. وكانت الهتافات كلها تشتمُ الرئيس جمال عبد الناصر.. وفي مقدّمة المظاهرة كان ثمّة حمارٌ معلَّق على رأسه صورةُ لـ"رائد القومية العربية"..
عندما اجتازت المظاهرة ساحة المرجة في طريقها إلى البحصة.. صدر البلاغ رقم 9 الذي أعلن عن التوصل إلى تفاهم بين ضباط الانقلاب وبين المشير عبد الحكيم عامر..
لم تتغيّر المظاهرة ولم يتغيّر المتظاهرون ولم يتغيّر المحامي الذي يقودهم ولكن تغيّرت الهتافات وأصبحت تعييشاً للرئيس عبد الناصر وتعييشاً للوحدة العربية.. طبعاً بعد أن أزيلت صور عبد الناصر عن رؤوس الحمير..
لحظتها قال لي والدي: "امشي نرجع عالبيت.. هاد شعب دجّال"..
سألتُه ببراءة: "شو يعني دجّال"؟
أجابني: "لما نوصل عالبيت بخبرك"..
وعندما وصلنا إلى البيت كان كلانا قد نسي السؤال..
حينَ كبرتُ قليلاً عرفتُ معنى كلمة "دجّال" بعد أن شاهدتُ الكثير من الدجّالين بنفسي..
في أيّامنا هذه.. نجد أغلبية النخب الفنية والاعلامية والثقافية التي كانت تمجّد العهد السابق وتسير في مقدّمة المسيرات المؤيدة المليونية..
هذه النخب نفسها تتسابق الآن للسخرية من رموز "النظام البائد" وتقوم بتمجيد النظام الجديد..
"المنافقون" هي سورة كريمة في القرآن الكريم.. أليس كذلك؟