"امحها يا علي" والحوار والسلم الأهلي..
أحمد رفعت يوسف
قصة "امحها يا علي" التي حدثت يوم صلح الحديبة، بين رسول الله (ص) وكفار قريش، حتى يحج المسلمون إلى البيت الحرام، هي من أكثر القصص، التي استوقفتني، لما فيها من حكمة، وعبرة، وقيم أخلاقية، أكثر ما نحتاجها اليوم، وتحديداً في عمل مركزنا.
فخلال المفاوضات بين الجانبين، اختار المشركون مفاوضاً عنهم، وهو سهيل بن عمرو، وبعد الاتفاق على قواعد الصلح، قال النبي (ص) "هات اكتب بيننا وبينك كتاباً" فدعا الكاتب، وهو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، وسهيل بن عمرو، فاعترض سهيل بن عمرو وقال: والله لو نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي: امحها يا علي، واكتب محمد بن عبد الله، فقال علي رضي الله عنه: والله لا أمحوها أبداً يا رسول الله، فقال (ص) "هاتها يا علي" فمحاها بيده.
إن التمعن بهذه القصة، يجعلنا نرى أنها ليست مجرد قصة عادية، وكلمتين قالهما رسول الله (ص) وإنما هي قاعدة في السياسة، والأخلاق، والحكمة، والعقل..
امحها يا علي..
هي قاعدة في التَّعامل بمرونة وسَّلاسة، تدعونا لتجاوز الجدل، وهدر الوقت الثمين، والانطلاق للعمل نحو الهدف الأسمى، والغاية النبيلة..
امحها يا علي..
هي خطوة تكتيكية للوراء، ﻷجل قفزة مبهرة، نحو هدف استراتيجي.
امحها يا علي..
هي التماس للأعذار، وإحسان الظن، وسبيل للصفح والعفو، ونسيان الماضي.
امحها يا علي..
هي تجاوز عن الصغائر، للحفاظ على العظائم.
امحها يا علي..
هي دعوة لنسيان الماضي، وبناء الحاضر، والتبصر في المستقبل..
من يعتقد أن هذه الحكمة، هي مجرد كلمتين قالهما رسول الله، فهو خاطئ، وإنما هي قاعدة تحتاج إلى رجال، ممن يمتلكون الشجاعة على المسامحة عند القوة، والاعتذار عند الحاجة..
كما تحتاج إلى نفسيات، لا تصيبها نشوة السلطة والقوة، أو نشوة القدرة على القسوة، والعزة بالإثم.
ولنتمعن بهذه العبارة السحرية، كم يمنحنا الأخذ بها من راحة في النفس، والروح، والقلب، والضمير..
امحها يا علي..
ما أحوج وطننا ومجتمعنا إليها اليوم..
فإذا كانت هي القاعدة الاستراتيجية، التي انتهجها رسول الله، مع كفار قريش، أليس حري بنا، أن نأخذ بها، لتكون القاعدة بين أبناء الوطن الواحد.. ومع من نشاطرهم الهدف، والأمل، والهم، والحزن، والغم، وكلهم من الأهل والأصحاب والأرحام..
امحها يا علي..
أعتقد أنه من السهل جداً، أن نرى توافق هذه الحكمة النبوية، مع الهدف الأسمى لمركزنا (الحوار والسلم الأهلي) وبالتالي هي نهج، يجب أن يكون حاضر معنا، في سياسات هذا المركز، وبرنامجه الوطني، وسبيلنا لتحقيق هدفنا، هو الحكمة، والكلمة الطيبة، والتسامح، فالمهم اليوم، هو التلاقي و (الحوار والسلم الأهلي) ولندع الأيام، توضح المواقف، وتصفي القلوب.