من جعبة الذاكرة.. حرب حزيران 67

معن حيدر

في حزيران عام 1967، الذي اصطلح على تسميته بعام النكسة، جرتْ حرب بيننا وبين عدوّنا التقليدي الكيان الأزرق، أسماها هو حرب الأيام الستة، وهي بالواقع حرب الساعات الستّة.
كنّا حينها، كعادتنا في مثل هذا الوقت من كل عام، في دمشق ونتأهّب للذهاب إلى يبرود، بعد أن ابتدأتْ العطلة الصيفية، وكنتُ حينها في الصف الثاني الإعدادي (الثامن).
ابتدأتْ الحرب في 5 حزيران، وسافرنا إلى يبرود بعد يومين، لم تهدأ خلالهما مدفعية الـ م. ط (مضادات الطيران) في سماء دمشق دون أن نرى أيّ طيران معادي، ولكنّ البيانات العسكرية أسقطتْ أكثر من مائتي طائرة للعدو (ع أساس).
أوّل ما فعلناه في يبرود هو (تزريق) زجاج نوافذ البيت بمادة (النيلة) التي كانت تستعمل في غسل الملابس البيضاء، كما فعل كل الناس في سوريا، تنفيذا للتعليمات التي صدرتْ من الجيش الشعبي قبيل الحرب منعا لاكتشاف الطيران المعادي للمدن والبلدات (هيك حرفيا).
في اليوم التالي لوصولنا، واستكمالا للمسرحية، أُشيع أنّه سيحدث إنزال إسرائيلي في محيط دمشق وريفها،
وسمعنا أنّه سيتمّ توزيع السلاح على الأهالي في يبرود لصدّ هذا الإنزال، في الثانوية الصناعية (لم أعد أذكر كيف تمّ إبلاغ الأهالي بذلك، ربما عبر المآذن).
وأذكر أنّي بحكم فضولي السياسي المبكّر، مثلي مثل أبناء جيلي والأجيال التي قبلنا وبعدنا
توجّهتُ إلى الثانويّة الصناعيّة التي كانت تقع على تلّة امتدادا لشارع السوق الرئيسي، فوجدتُ كل أهالي يبرود، تقريبا، مجتمعون في ساحة المدرسة وكلّهم حماس لاستلام السلاح ومحاربة العدو
ووسط الهرج والمرج وقف (الرفاق) على منصة اسمنتيّة ومعهم ضابط بلباس الجيش الشعبي وخلفه جنود وبضعة صناديق خشبية فيها الأسلحة
قال كبيرهم: يا إخوين هدوء رجيئٍ (يا إخوان هدوء رجاءً)، وبعد أنْ ساد الهدوء، تابع يقول:
روح نوزّع السليح ع الطبأة الكيدحة أوّلِن، وشو بزيد عنا روح نوزع ع كل الناس تكرمو
بس مطلوب الهدوء والنظوم
والترجمة: (سوف نوزّع السلاح على الطبقة الكادحة أولا، وما يزيد سوف نوزّعه عليكم، المطلوب الهدوء والنظام).
علا الهرج والمرج مجدّدا، وعلتْ الأصوات مستنكرة، وكان أعلاها صوت جارنا أبو أسعد الفلاح اليبرودي السوري الأصيل بشرواله وحطّته: يعني نحنا الفلّيحين ما بيطلعلني.
أجابه كبيرهم: بيطلعلك يا أبو أسعد بس نخلِّص
كان بجانبي رجل يدخّن سيجارته بنزق، قال بصوت عالٍ: شو هالعيب؟... يعني الإسروئيلي بيعرف مين كيدح ومين مو كيدح شو هالحكي؟
لك إسرائيل عبتضربنا ولسه بتحكو بهالمنطق الإقصوئي والله عيب
لم يردّ عليه كبيرهم رغم أنه سمعه
وتمّ توزيع السلاح، وهي عبارة عن بواريد فرنسية ذات الطلقات الخمس تلقين يديوي، على الرفاق حسب رتبهم الحزبية (أي ولاءاتهم) مع مراعاة التوزّع الجغرافي لهم في حارات يبرود الأربعة: القامعية والعاعة والقرارية والصالحية.
ولم يبق باردوة لأبي أسعد الذي غادر غاضبا وهو (يترغل) بصوت عال
بدأتْ الناس بالخروج من المدرسة خائبة، وخرجتُ مع الخارجين وكان بجانبي ذلك الرجل الغاضب الذي اكتشفت أنه أستاذ الرياضيات الشهير أبو علي سالم
واكتشفنا لاحقا أنّ المسرحية كانت لتمرير عملية تسليح (الرفاق) للسيطرة على الشارع وحماية النظام من أي رد فعل على الهزيمة المنكرة.
كان الإقصاء (المنطق الإقصوئي) قد بدأ منذ أن استلم البعث السلطة عقب (ثورة آذار المجيدة) في عام 1963
التي أقصت أولا البرجوازية والإقطاع والرأسمالية والامبريالية، ثم ألحقتْ بهم اليساريين كلهم ومعهم الشيوعيين
ثم البعث اليميني العفن
وبعدها بدأ التصنيف في الإقصاء: حيادي إيجابي وحيادي، وحيادي سلبي، ومعادي
ثم موالي ومعارض
ثم إرهابي
وآخر أنواع التصنيف: متجانس.
وأعتقد أن كلّ المشاكل كانت حُلَّتْ لولا هذا (المنطق الإقصوئي) ولم نكن وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
لذلك كلنا رجاء الآن أن لا...