فندق بلقيس (من ذكريات الزمن الغابر)
صفوان زين- فينكس
صيف العام ١٩٥٦ أقمتُ شهراً كاملاً في فندق بلقيس المتواضع الواقع في أحد أطراف ساحة المرجة بدمشق كي أقدّم امتحان السنة الاولى في كلية الحقوق. في اليوم الأول لوصولي جمعتني الصدفة في بهو الفندق بفتاة سمراء جذابة تنتحل اسم "زين"(كان الاسم هو المدخل لتعارُفِنا)، تقيم في الفندق شأن أي نزيل، مع فارق انها تنام عندما يصحو الجميع وتصحو عندما ينام الجميع، ليس لأنها حارسة ليلية بل لأنها غانية ليلية تعمل في أحد ملاهي دمشق الوضيعة. كان ذلك اللقاء الاول فاتحةً لصداقة بريئة ربطتني بزين عزّزها ما تكشَّف لي مع الأيام من مستوى لهذه الفتاة لا يتناسب مع وضاعة المِهنَة بل المِحنَة التي انحدرت اليها في ظروفٍ قاهرة كررتها على مسامعي عشرات المرات الى ان وجدتُ نفسي متورطاً في محاولة إيجاد حل لورطتها وكأنني كنتُ المسؤول عمّا اصابها نيابةً عن المجتمع بكامله.
حملتُ قضيتها على أكتافي الغضّة، ولَم أكن قد تجاوزتُ التاسعة عشرة من عمري، وذهبتُ بها دون علمها الى المديرية العامة للشرطة القريبة من فندقي، الى ضابط معروف جداً كانت تربطه صداقة قديمة بوالدي الذي شغل وظيفة المدير العام للشرطة والأمن العام في عهد حسني الزعيم القصير الأجل، فوجئ الضابط بزيارتي، وكانت مفاجأته أكبر عندما رويتُ له بنبرة لا تخلو من عاطفة قاصداً ان أحرك مشاعرَ قصةَ زين وكيف ان القدر ظلمها جداً عندما أنحدر بها الى اسفل درك يمكن ان تنحدر اليه فتاة، وانتهيت بأن وجهتُ اليه طلباً بدا له في منتهى الغرابة حتى انه اطلق ضحكةً مجلجلة دوت في أرجاء مكتبه الفسيح، طلبتُ منه وبإلحاح شديد ان يستعمل سلطتَه في منع زين من المضيّ في مهنتها الوضيعة وان يساعدها في العثور على عمل يحفظ كرامتَها، انتفض في مقعده وأجابني بحِدّة وبصوت مرتفع "من قال لك بأننا ندير جمعيةً خيرية؟ انها مشكلتك يا صفوان وليست مشكلة زين، اسمعني جيداً، أنت لا زلتَ شاباً يافعاً وعديم الخبرة، سوف أمنعك من المضيّ في علاقتك مع زين ولن أسمح لك بأن تلتقي بها تحت أي ظرف وسوف أكلف مدير الفندق بأن يراقبك ليل نهار وبأن يبلغني بأية مخالفة لتعليماتي، يا بنيّ انت لستَ من مستوى هذه الفتاة، أنت ليس هنا موقعك، هل فهمت؟ إن لم تفهم لديّ وسائل أخرى لإفهامك، أترك زين لنا فنحن أدرى الناس بهذا الصنف من البشر وانصرف الى دراستك، لم يرسلك والدك الى الجامعة كي تدرس أوضاع العاهرات بل لتدرس الحقوق"، وختم حديثه وأنا في حالة دهشة وذهول بالجملة التالية: "شو بدّك تعمل لي الشيخ زنكي"؟
عاد الشيخ زنكي الى فندقه مصدوماً خائباً عاقداً العزمَ على أن لا تقع عيناه بعد ذلك اليوم على زين. اكملتُ امتحاني وكان قد اقترب من نهايته، استيقظتُ باكراً جداً صباح يوم العودة بالطائرة من دمشق الى اللاذقية، كان الوقت فجراً، حملتُ حقيبتي ونزلتُ درج الفندق، كانت غرفتها تحت غرفتي تماماً، آخر ما توقعته أن أجدها بانتظاري على باب غرفتها بلباس السهرة، كانت عائدة لتوّها من واجبها اليومي الثقيل، علمَت من مدير الفندق بموعد سفري وأصرّت عَلى ان تودعني. خلال رحلة الخمسين دقيقة بين دمشق واللاذقية داعبت مخيلتي واحدة من تلك الأفكار التي يوحي بها في لحظة معينة جموح بل جنون الشباب، سرعان ما طردتُ الفكرةٓ من رأسي وعدتُ الى رشدي، كنّا اقتربنا من مطار حميميم وكنتُ متلهفاً لرؤية الأهل والأصدقاء.
خريف ذلك العام عدتُ الى فندق بلقيس للمرة الثانية كي أقدم امتحان الدورة الثانية فوجئتُ بأن مدير الفندق قد تغير وبأن زين قد اختفت، خطر لي بدافع من الفضول الممتزج بشيء من الحنين ان أزور صديقَنا الضابط في مكتبه علّني أظفر منه ببعض المعلومات عن هذا الانقلاب الذي حصل في غيابي، قدمتُ نفسي الى الحاجب بإسم الشيخ زنكي، رمقني الحاجب بنظرة استغراب شديد، كررتُ لفظَ الاسم، فأسرع الى معلمه ليخبره بأن مجنوناً يود مقابلتَه (هكذا اخبرني الضابط عندما استقبلني وهو مستغرق في الضحك)، لم أظفر منه بأكثر من فنجان قهوة اتبَعَه بفيضٍ من النصائح الموجهة لي والتحيات الموجهة الى والدي (طبعاً لم أنقلها الى الوالد).
صيف العام التالي ١٩٥٧ عدتُ الى فندق بلقيس للمرة الثالثة كي أقدم امتحان السنة الثانية، لم تمضِ بضعة ايّام إِلَّا وكانت ثروتي البالغة مائتا (٢٠٠) ليرة سورية المخصصة لتغطية مصاريف الإقامة في دمشق لشهرٍ كامل قد طارت بالكامل من جيب بنطالي المرمي في غرفتي، ذهبت ظنون مدير الفندق الى الشاب احمد الخادم المكلف بالإشراف على تنظيف الغرف والذي غادر في نفس اليوم في اجازة طويلة مما اثار شبهة مدير الفندق، أصرَّ هذا الأخير على ان نذهب سويّاً الى الضابط اياه كي نشكو احمد، وهو ما فعلتُه دون اقتناع اذ كان احمد بنظري فوق أية شبهة، التفت إليّ الضابط وخاطبني بمنتهى الحزم وكأنني احد عناصره "اسمعني جيداً يا صفوان، لقد وقعتَ في الفخ للمرة الثانية خلال اقل من سنة، سوف تذهب فوراً برفقة عنصرين من الأمن الى قرية بيت جن في سفح جبل الشيخ للقبض على احمد وجلبه الى التحقيق"، كانت المفاجأة مذهلة بالنسبة لي، ما هو دوري ياسيادة الضابط في بيت الجن؟ (لم أكن قد سمعت بهذا الاسم المخيف على الإطلاق)، كان الجواب "لكي تتحقق بنفسك من انه احمد عامل الفندق الذي عرفته وعرفك"، ذهبنا الى بيت جن في سفح جبل الشيخ قريباً من مرتفعات الجولان وأتينا بأحمد مكبلاً بالأصفاد، لم استطع ان انظر في عينيّ احمد وهو مُكبَّل بسببي، كنتُ واثقاً من براءته فأنا اعرفه جيداً.
ذهبتُ الى الضابط في اليوم التالي مستفسراً عن أحمد راجياً ان لا يُعامَل بقسوة، عند ذلك انفجر الضابط في وجهي صائحاً "بالأمس كُنتَ تدافع عن عاهرة كادت ان توقعك في حبائلها بعد ان أوهمتك انها صديقتك واليوم تدافع عن لص نجح في سلبك كل ما تملك بعد ان أوهمك انه صديقك، كم انت ساذج يا بنيّ، أعتقد ان الطريقة الوحيدة لحمايتك من أصدقائك هي في ايداعك السجن!
بأيّة تهمة يا سيادة الضابط؟
أجاب "بتهمة الغباء"، وأضاف "من المؤسف ان القانون لا يعاقب على الغباء".
كان جوابي "لا تتسرع ياسيادة الضابط، أنا واثق ان زين ليست عاهرة وان احمد ليس لصاً"، بعد ايّام معدودة كان احمد يختال في الفندق طليقاً بريئاً، أما زين فقد اصبحت أثراً بعد عين، بعدها لم تطأ قدماي فندق بلقيس.