باريز مربط خيلنا؟

صفوان زين- فينكس:

"ديغول خبِّر دولتك، باريز مربط خيلنا"
انه الهتاف الذي تناهى الى سمعي في طفولتي منطلقاً من حناجر صبية حي العوينة في أوج احتدام معركة الجلاء في مثل هذه الأيام من العام ١٩٤٥، معبّرين في وعيهم عن توقهم الى جلاء المحتل الفرنسي عن ارض الوطن وفي لاوعيهم عن توقهم لرؤية خيول الفاتح العربي تتهادى فعلاً في شوارع باريز، هذا التوق الذي كان وما برح يتغذى من وصول الفاتحين العرب بقيادة عبد الرحمن الغافقي في العام ٧٣٢ م الى "تور" في وسط فرنسا ليس بعيداً من باريز قبل ان يردهم عنها شارل مارتل في معركة فاصلة حالت دون اكتساحهم لأوروبا بكاملها. شكلت "تور" أو "بلاط الشهداء" كما أسماها العرب فخراً لهم وصدمةً في الوقت عينِه، فخراً بوصفها الذروة في فتوحاتهم، وصدمةً بوصفها بداية التراجع والانكفاء، الى ان تحوّلت الصدمة الى عقدة متجذرة مع توالي الهزائم والانكسارات على امتداد قرون امام غرب متفوق تفوقاً نوعياً كاسحاً. لم يكن من شأن هذه العقدة إلّا ان تزداد تجذراً مع الحروب الصليبية وما خلّفته من ندوب عميقة في العلاقة بين الشرق والغرب، لذا لم يكن غريباً ان يكون اول ما فعله الجنرال الفرنسي غورو بعد دخوله دمشق فاتحاً في تموز من العام ١٩٢٠ ان يزور قبر صلاح الدين مخاطباً إياه بتشفٍ "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، كما لم يكن غريباً بالمقابل ان يبتهج العالم العربي من اقصاه الى اقصاه بدخول الجيش الألماني النازي باريزٓ الخانعة المستسلمة في ١٤حزيران ١٩٤٠ حيث قام قائده الأعلى "الحاج محمد" هتلر باستعراض جنوده في جادة الشانزيليزيه بكل زهو وصلف في مشهدٍ حرّك كل مشاعر التشفي والشماتة لدى العرب وشكَّل تعويضاً لهم عن كل ما عجزوا عن تحقيقه بأنفسهم، انه المشهد ذاتُه الذي عبّر عنه في حينه أبلغَ تعبير وأجملَه الشاعر الكبير بدوي الجبل في قصيدته الشهيرة بعنوانها الموحي "اني لأشمتُ بالجبار" حيث قال فيما قال:
اني لأشمتُ بالجبار يصرعه
طاغٍ ويرهقه ظلماً وطغيانا
لَعَلَّهُ تبعثُ الأحزانُ رحمتَهُ
فيصبحُ الوحشُ في بُرديهِ إنسانا
سمعتُ باريسَ تشكو زهوَ فاتحها
هلاّ تذكرتِ يا باريس شكوانا
يهتز العالم من اقصاه الى اقصاه لحادثة بُرجَي نيويورك المأساوية في ١١ايلول ٢٠٠١، أسرعتُ كعهدي دوماً الى صديقي المشهود له بالعقلانية والرصانة كي اقف على رأيه، فوجئتُ عندما عبّر عن سعادته قائلاً بالحرف الواحد 'مشهد انهيار البرجين كان أمتع مشهد رأيته في حياتي' ثم استطرد 'آن لامريكا ان تتألم بقدر ما تسببت من آلام لسواها' لم أعلّق، فقد كنتُ متفهماً تماماً لردة الفعل الاولى العاطفية بل الغريزية، لم أعلّق، لأننا بعد بضعة أيام وبعد ان افسحت العاطفة مكانها للعقل اتفقتُ وصديقي على ان ما حدث مرفوض انسانياً بكافة المقاييس ولسوف يرتد وبالاً علينا، وقد ارتد فعلاً ولم نزل الى اليوم نعاني من ارتداداته.
أما آن الأوان كي يطوي الزمن صفحة تور لديهم وبلاط الشهداء لدينا؟ أم ان الشرق شرقٌ والغرب غربٌ ولن يلتقيا؟