عندما وجف القلب قرب تنّور سلمى (صيف ١٩٤٩)

كتب صفوان زين- فينكس:

أمام تنور سلمى وعلى وهج نارِه كانت تنتظر خبزَها وكنتُ أنتظر خبزي ، لم يكن أشهى من رغيف الخبز الخارج من التنور سوى وجهها الملائكي الملفوح بحرارة التنور، كنتُ في مطلع مراهقتي وكانت هي كذلك، كل مساء وعلى امتداد شهر كامل كان التنور يجمعنا، لم نتبادل ايَّ حديث بل كنّا نتبادل النظرات والابتسامات عند خروج الأرغفة من التنور، تلك الأرغفة المتوردة التي لم يضاهِها تورداً سوى تورد وجنتيها، كانت أساريرها تنفرج عن ابتسامة آسرة عند خروج كل رغيف ملتفتةً إليّ وكأنها تود ان تتأكد من ان ابتسامةً مماثلة قد ارتسمت على وجهي.
مع مرور الأيام بتُّ أتساءل هل هي تبتسم لي أم لرغيف الخبز الساخن؟ أصبح التساؤل يُلح عليّ ويبعث على حيرتي ومن ثم على غيرتي، بات رغيف الخبز غريماً لي، لم أعد أطيقه ولَم أعد أستسغ طعمَه، كنتُ أتوقع غريماً من لحمٍ و دم، أمّا ان يكون غريمي رغيف خبز فهو ما لم أتصوره إطلاقاً.
مضى الصيف، بارحنا سلمى وعاد كل منا أدراجَه مع أهله الى قواعده في المدينة دون أن نتبادل كلمةً واحدة، انما ظل التساؤل إياه يُلحُّ عليّ، هل كانت تبتسم لي أم لرغيف الخبز؟ مضت السنون ولَم أعد أراها أو أسمع عنها سوى أنها تزوجت وأنجبت، التقيت بها وبزوجها بالصدفة في مناسبة عرسٍ كبير اختلط فيه الحابل بالنابل، ما أن لمحتها حتى عاودتني للحال ذكرى سلمى وتنورها، تطلعتُ بلهفة الى فرصة كي أتحدث إليها للمرة الاولى و أطرح عليها السؤال الذي ظل يقض مضجعي لسنوات عديدة، سنحت تلك الفرصة عندما توجَهَت الى البوفيه المفتوح بمفردها، تبعتُها في الصف الطويل وراءها تماماً، اقتربتُ منها حتى كدتُ التصق بها وهممتُ أن أهمس في أذنها "هل تذكرين تنور سلمى؟"، تهيبتُ ولَم أفعل، بعدها لم ألتقِ بها ولَم تقع عيني عليها، الى أن علمتُ بعد مدة بوفاتها بعد معاناتها من مرضٍ عُضال.
كان حزني عليها مضاعفاً، رحلت ورحل معها الجواب على تساؤلي الأبدي.