من جعبة الذكريات

كتب صفوان زين- فينكس:

مع استيلاء العقيد أديب الشيشكلي في العام ١٩٥٢ على السلطة بالكامل بعد ان قضمها على مراحل، أدرك مصطفى الزين مدير معارف اللاذقية المخضرم، أدرك بحسِّه الوظيفي المرهَف أن الزمن لم يعد زمنه، و أن أيامه في الوظيفة قد تكون باتت معدودة، و أن ما عزم عليه أديب الشيشكلي حاكم سوريا الجديد من اسناد كافة المراكز الحساسة في الدولة ألى أتباعه من المنتمين الى 'حركة التحرير العربي' سوف يمضي فيه الى النهاية.
أ صفوان زين 2كان قرار الزين أن يكون هو المبادر بالتخلي عن المركز الذي تبوأه لمدة تقارب الخمسة عشر عاماً، و أن يسارع حفاظاً على كرامته إلى طلب إحالته على التقاعد.
في هذه الأثناء وبالتحديد في تشرين الثاني من العام ١٩٥٢ و كان أديب الشيشكلي في زيارته الشهيرة الى اللاذقية برفقة الأمير سعود بن عبد العزيز ولي العهد السعودي، كان مصطفى الزين في عداد المستقبلين والمرحبين كمدير سابق لمعارف اللاذقية وكصديق قديم للضابط أديب الشيشكلي عندما خدم في اللاذقية كقائد موقع في مطلع العهد الاستقلالي. عندما تصافحا في المطار توجه الشيشكلي إلى الزين معاتباً بالقول 'أهكذا تحرمنا من خدماتك في المعارف يا استاذ مصطفى؟ كان الجواب: 'مجالات خدمة الوطن واسعة ومتنوعة يا أديب بيك'.
مسلحاً بنتائج الاستفتاء الشعبي الذي أُجري بتاريخ ١١تموز ١٩٥٣ الذي كرّسه رئيساً للجمهورية السورية بدستور ٍ جديد يعتمد النظام الرئاسي بديلاً عن النظام البرلماني الذي عاشت البلاد في ظله منذ الاستقلال، اتخذ الشيشكلي قراره باجراء الانتخابات البرلمانية في التاسع من تشرين الاول من العام ١٩٥٣ وفق قانون جديد للانتخاب، معظم الأحزاب السياسية أعلنت مقاطعتها للانتخابات وكادت الترشيحات في اللاذقية أن تقتصر على مرشحي حركة التحرير العربي وفي طليعتهم الأستاذ توفيق هارون وعدد قليل من المرشحين المستقلين، فضلاً عن مرشح الحزب القومي السوري الأستاذ فؤاد شواف. هنا حصلت مفاجأة مستغربة وغير متوقعة إطلاقاً ولا املك للآن تفسيراً لها، وذلك عندما بادر عدد من أنصار الشيشكلي البارزين في المدينة، ومن الشريحة الأكثر التصاقاً به و تمثيلاً شعبياً له الى اجراء اتصالات مكثفة مع مصطفى الزين والضغط عليه بقوة لحمله على ترشيح نفسه وخوض المعركة الانتخابية على رأس قائمة مناوئة للأستاذ هارون تضم الأستاذ فؤاد شواف عن الحزب القومي السوري.
لم يكن مصطفى الزين مهيّئاً على الإطلاق لخطوةٍ كهذه، إذ لم يكن رجل سياسة مدرّباً على خوض المعارك الانتخابية ولا على الانخراط في ألعابها ومناوراتها، بل أمضى حياته موظفاً نخبوياً ورجل ادارة غيرَ منحاز وحريصاً على علاقات متوازنة مع جميع الافرقاء السياسيين، إلّا ان الضغوط التي مورست عليه من جهة، فضلاً عن اغراء المقعد النيابي الذي بدأ يداعب مخيّلته كما أتصّور من جهةٍ اخرى، كل ذلك جعله يرضخ ويقدم على ترشيح نفسه.
رن جرس الهاتف في منزلنا بعد أيام قلائل وكان المتحدث الأستاذ توفيق هارون عارضاً لقاءً عاجلاً مع الوالد في اليوم ذاته في منزل الأهل في العوينة. عندما قدمتُ فنجان القهوة الى الأستاذ هارون سمعته يخاطب الوالد قائلاً بالحرف الواحد: 'يا ابو نعمان أنا مكلّف بأن أنقل اليك تحيات فخامة الرئيس وتمنياته عليك بأن تسحب ترشيحك للنيابة تفادياً لمعركة انتخابية لا ضرورة لها وفخامته لن ينسى لك هذا الصنيع.
غادرتُ غرفةَ الضيوف قبل أن أسمع الجواب، لكنني لم أغادر المنزل قبل أن يغادره الأستاذ هارون، و أسمع من الوالد بأنه استجاب لرغبة الرئيس، و أنه لم يكن بإمكانه إلّا أن يستجيب خاصةً بعد الطريقة اللبقة التي صيغت بها هذه الرغبة.
شعرتُ بغصّة ولم أعلق، أما الوالدة، فقد قرأتُ الارتياحَ على وجهها عندما علّقت بجملة واحدة: 'ساعة خير'.
جرت الانتخابات النيابية في موعدها في كافة المحافظات السورية، إنما بمقاطعة شبه تامة من الأحزاب السياسية (باستثناء الحزب القومي السوري، و الحزب الشيوعي السوري، والحزب التعاوني الاشتراكي بزعامة فيصل العسلي) مما أتاح لمرشحي الشيشكلي من حركة التحرير العربي أن يحوزوا على الغالبية الساحقة من مقاعد البرلمان البالغة ٦٠ مقعداً من اصل ٨٨ كما أذكر.
لم تمضِ سوى أشهر معدودة حتى رن جرس الهاتف في منزلنا وكان المتحدث هذه المرة هو الأستاذ فرح باصوص مدير الشوؤن الادارية والقانونية في شركة مرفأ اللاذقية مهنِّئاً الوالد على تعيينه مع المهندس عبد الرحمن حورية عضوين في مجلس ادارة مرفأ اللاذقية المشكّل حديثاً بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية السورية محمد أديب الشيشكلي.
لقد أوفى الشيشكلي بوعده. ألم يقل له مصطفى الزين عند استقباله في اللاذقية قبل أشهر معدودة إن مجالات خدمة الوطن واسعة ومتنوعة؟ أوَليست عضوية مجلس ادارة مرفأ اللاذقية هي واحدة من هذه المجالات الواسعة والمتنوعة؟