السويداء والسيناريوهات المحتملة المتضاربة بين دمشق وتركيا وأميركا وإسرائيل!

عماد بلان

ما يجري في السويداء لا يمكن فهمه بمعزل عن الصراع على شكل سورية المقبلة، ولا عن مصالح القوى الإقليمية والدولية.. أحاول وحضراتكم البحث فيها:
..أولاً:
..السويداء ليست مجرد قضية محلية..!
..السويداء أصبحت إحدى أهم أوراق الجنوب السوري، وربما إحدى أكثر المناطق حساسية في تحديد العلاقة بين دمشق وتل أبيب مستقبلاً.. واللافت أن الأمم المتحدة حذرت قبل أيام من أن النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري أصبح أكثر رسوخاً، وتحدثت عن توغلات ونقاط عسكرية واحتجاز سوريين، ووصفت الوضع بأنه يثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات القانون الدولي.
..لذلك، فإسرائيل لا تنظر إلى السويداء باعتبارها مجرد محافظة سورية، بل تنظر إليها ضمن منظومة أمن حدودها الشمالية وموازين القوى في جنوب سورية.
..ثانياً:
..ماذا تريد إسرائيل..؟
..إسرائيل لا تريد بالضرورة قيام دولة درزية مستقلة في السويداء، فهذا أمر مختلف تماماً عن رغبتها في وجود جنوب سوري منزوع أو محدود القدرات العسكرية، وغير خاضع لسلطة مركزية قوية قد تعتبرها تهديداً مستقبلياً.. وهنا تكمن الخطورة.. فإذا بقيت العلاقة بين السويداء ودمشق متوترة، واستمر وجود قوى محلية مسلحة، فقد تجد إسرائيل في ذلك مبرراً دائماً للتدخل الأمني والعسكري.
..وأكبر خدمة يمكن أن تُقدَّم لإسرائيل من دون قصد هي تحويل قضية السويداء من قضية حقوق وأمن وكرامة ومواطنة سورية إلى قضية انفصال أو صراع مذهبي مفتوح.
.. ثالثاً:
.. تركيا وأمريكا..
..تركيا لديها حساب مختلف.. هي تريد سورية موحدة إلى حد كبير، بحيث أن يكون لها في "سورية الموحدة" نفوذ تركي سياسي وأمني واقتصادي كبير، وتريد منع قيام كيانات مسلحة مستقلة على حدودها.
..أما واشنطن، فأن أولويتها الحالية هي منع انهيار الدولة السورية الجديدة، ومنع عودة الجماعات الجهادية، وضبط النفوذ الإقليمي، مع الحفاظ على أمن إسرائيل.
..وهناك تطور مهم جداً:
..الولايات المتحدة دفعت باتجاه تخفيف العقوبات وفتح الباب أمام إعادة إعمار سورية، وهذا يعطي حكومة دمشق فرصة لم تكن متاحة لها سابقاً.. كما أن الدفع الدولي باتجاه فرض التعاون السوري الجديد مع المؤسسات الدولية ظهر بوضوح في ملف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي أشادت أخيراً بتعاون السلطات السورية الجديدة وحلّها ملفات كانت عالقة منذ عهد الأسد.
..وهذا مؤشر مهم: هناك محاولة دولية لإدخال دمشق الجديدة في النظام الدولي، وليس إبقاء سورية دولة معزولة وممزقة.
..رابعاً:
..وماذا عن حكومة دمشق الانتقالية؟
..هنا الصورة أكثر تعقيداً.. فإذا تمكنت دمشق من بناء جيش ومؤسسات أمنية وطنية تضم السوريين، واحترام خصوصية المناطق، وضمان الحقوق السياسية والثقافية والمحلية، والتعامل مع السويداء بالحوار لا بالحل العسكري، فستكون فرص نجاحها كبيرة.. أما إذا عادت عقلية المركز يفرض، والأطراف تنفذ، فستعود سورية إلى دوامة جديدة، حتى لو تغيرت الأسماء والرايات.
..خامساً:
..ماذا نتوقع للسويداء تحديداً..؟
..المتوقع هو ألا نشهد قريباً انفصالاً رسمياً للسويداء، ولا عودة سهلة إلى سيطرة مركزية كاملة كما كانت في الماضي.
..والسيناريو الأكثر احتمالاً هو شيء في المنتصف:
..سويداء ذات إدارة وأمن محليين بدرجة كبيرة، مع بقاء ارتباطها القانوني والسياسي بالدولة السورية، وترتيب تدريجي لعلاقتها بدمشق، وبضمانات أو تفاهمات إقليمية ودولية غير معلنة بالكامل.
..وهذا السيناريو قد يكون، رغم صعوبته، أفضل من حرب جديدة.
..لكن هناك شرط أساسي جداً:
..أن تحافظ السويداء على وحدتها الداخلية، وألا تسمح بتحويلها إلى ساحة صراع بين إسرائيل ودمشق وتركيا وأمريكا.
..فالسويداء تستطيع أن تقول للجميع:
..نحن سوريون، نريد الأمن والكرامة والحقوق، ولا نريد أن نكون أداة في يد أحد.
..وهذه أقوى ورقة سياسية يمكن أن تمتلكها.
..وأخطر شيء لا نرجوه: ليس أن تنتصر جهة على جهة.. بل أن تطول المرحلة الرمادية:
..لا حرب شاملة، ولا حل سياسي نهائي؛
..لا عودة كاملة إلى دمشق، ولا استقلال؛
لا انسحاب إسرائيلي واضح، ولا تسوية نهائية.. فتصبح السويداء ورقة تفاوض دائمة بين القوى الكبرى.. وهذا الوضع قد يستنزف أهل المحافظة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً لسنوات.
..لذلك، فالسيناريو الأكثر تفاؤلاً:
..تفاهم سوري ـ سوري، بضمانات عربية ودولية، يحفظ خصوصية السويداء وأمن أهلها، ويعيدها تدريجياً إلى إطار الدولة السورية من دون إذلال أو انتقام أو فرض عسكري.
..أما السيناريو الأسوأ فهو أن يتحول الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ متصارعة، وتصبح السويداء ساحة مواجهة غير مباشرة بين دمشق وإسرائيل، مع تدخلات تركية وأمريكية وعربية متنافسة.
..وأعتقد أن الأيام القادمة ستكشف شيئاً مهماً جداً:
..هل تريد القوى الكبرى سورية موحدة فعلاً، أم سورية موحدة بالاسم ومجزأة بالنفوذ؟
..وهذا هو السؤال الأكبر وراء كل ما يحدث في السويداء.
و نميل إلى الاعتقاد بأن سورية الموحدة ما زالت هي السيناريو الذي تفضله واشنطن وأنقرة، لكن بشروطهما، بينما تحاول إسرائيل ضمان ألا تتحول هذه الوحدة إلى قوة سورية تهدد أمنها. ومن هنا يأتي التعقيد الكبير في الجنوب.
وأقول: أهل السويداء بحاجة الآن إلى الحكمة أكثر من حاجتهم إلى الشعارات؛ لأن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة تفاوض سياسي طويلة، ومن يدخلها موحداً وهادئاً ومدركاً لمصالحه يكون أقوى بكثير ممن يدخلها منقسماً.