واشنطن- طهران.. تقدير موقف- 10 آب
د. كمال خلف الطويل
حفَل الشهر المنقضي، منذ تقدير موقف: 11 تموز، بتطورات متسارعة في وحَول الخليج، اتسقت كلها في سياق جامع؛ ولعل قطبها المركزي هو عجز واشنطن عن حيازة خيار عسكري أمام ايران: جرّبت حملة جوية "تمييزية" لأربعين يوماً، ثم حصاراً ساحلياً لفترة مماثلة، ثم ضربات جوية لأسابيع ثلاث، مصحوبة باستئناف الحصار الساحلي؛ وكله بلا جدوى.
والحديث عن امكانية حملة جوية "غير تمييزية" [قنابل وصواريخ غبية] فمحيَّد باستهداف ايران لموارد الحياة في الخليج ردّاً.. والكلام عن خيار نووي - أمريكي كان أم اسرائيلي - غير واقعي؛ أكان لأسباب بيئية أم عملانية [رد صاروخي ثقيل] أم تحريضية لامتلاك ايران السريع سلاحاً نووياً, أم حفزاً للبشرية على النبذ.. وترديد إمكانية خيار برّي أغفل أن حجم القوات المقاتلة - الرأس - في الاقليم لا يصل لعشرة آلاف [الأربعون ألفاً غيرهم قوات إسناد لوجستي- الذنب]، فضلاً عن أن لاستعماله كلفة بشرية لا تتحملها واشنطن.
وعليه؛ فإعمال المنطق البحت اقتدى أن تعترف واشنطن بهزيمتها الاستراتيجية في حربها على ايران، وأن تعود إلى مذكرة التفاهم، بتاريخ 17 حزيران في فرساي، والتي لم تنتظر سوى أسابيع ثلاث حتى خرقتها - عُمانياً ولبنانيا، ثم عسكرياً -
لكن ما صلُح ل17 حزيران لم يعد، عند طهران، صالحاً في آب أو أيلول أو أي وقت آخر؛ ولسبب جلّي لواشنطن قبل سواها: طهران باتت القوة الاقليمية العظمى - أحبّ أحدٌ/نا ذلك أم كرِه -، وفي وسعها إملاء شروطها - أو كثيرها، في أقلّه -، وخلاصتها: سيطرة طهران على هرمز، عسكرياً وجبائياً + اخراج القوات الأمريكية من السديم الممتد ما بين الخليج ونهر الأردن - ولاحقاً من مصر وقبرص - ((أي العودة إلى نهج "ما وراء الأفق" الذي اتُّبع ما بين 45 و 90: حينها لم ترابط قوات برية أمريكية في العالم العربي ولعشيّة الغزو العراقي للكويت {وحتى القواعد "الجوية" في السعودية وليبيا والمغرب فقد أُغلقت في 62 و70 و72})) + استرداد الأموال المجمدة، ورفع كل أشكال العقوبات + إخفاض اسرائيل - والتي هزيمتها الاستراتيجية في الحرب نسخةٌ من تلك الأمريكية - في الاقليم، بإخراج قواتها من جنوب لبنان وقطاع غزة.
طيب، ماذا واشنطن بفاعلة إذن؟
أمامها مخزون احتياط نفطي كافٍ لأربعين يوماً فقط، وسعر غالون البنزين في جنوب كاليفورنيا واصلٌ إلى 7,5$، وصينٌ عادت لشراء النفط - وإن بتؤدة - بعد امتناع شهور، وانتخابات نصفية - بعد شهور ثلاثة - مكتوبةٌ نتائجها على الحائط لتعكس تذمّراً شعبياً واسع النطاق من الحرب ومَن خاضها ومَن شاركه في - بل حضّه على - خوضها، ورئيس أركان استجمع شجاعته - وأخيراً - ليبوح لقائده الأعلى بأنه وقواته قد استنفذا كل خيارات الميدان وبقي "عليك" تدبّر مخرج سياسي من الحرب.
(أفتح قوساً لأشبّه حال الداخل الأمريكي الآن بحاله أواسط التاسع عشر: كانت العبودية فيصل الصراع، وإسرائيل الآن ذلك الفيصل؛ ناهيك باستعار الفالق الطبقي، ورهاب الذكاء الاصطناعي وظائفياً... وهناك حزب حربٍ مؤسرلٍ حاكم يقف قبالته تيار عريض عابر لليمين واليسار لا يؤمن سوى ب"أمريكا فقط").
ليس في وسع واشنطن تعليق حالة اللاحرب/لاسلم انتظاراً لوصول الاقتصاد الإيراني إلى دركٍ أجبر طهران على تليين مواقفها؛ فحدوثه غير منظور؛ سواء لتوافر المواصلات السككية والطرقية والقزوينية إلى الخارج، أم للقدرة على التأزيم إن اشتدّ عليها الخطْب… أضف أن دعم الصين وروسيا، الاستخباري والتسليحي، لايران متزايد (راهنية معلومات الأهداف مثلاً)؛ وعليه - ثانيةً - فلا مهرب لواشنطن من "فرساي مزيّدة ومنقّحة" كي تفلت من فخّ التصعيد، وطالما لا تملك السيطرة على التصعيد؛ بل تملكها طهران... وإنْ واظبت واشنطن على المراوغة والتحايل فنتيجته دفعُ طهران إلى جرّها لمواجهة مسلحة متوسطة الشدّة، ومستنزِفة، "تقنعها" بالذهاب، وأخيراً، إلى كلمة سواء
وماذا عن اسرائيل؟ مطالب طهران منها ليست فضلاً على ضحاياها شرق المتوسط بل حاجةً جيوستراتيجية لايران أيضاً.. وبرغم انخفاض وزنها النوعي في الإقليم وإنهاك جيشها البادي إلا أن اسرائيل ستحاول الإفلات من المصيدة ما استطاعت: حملة قتل وتخريب استخبارية في الأوراق، لكن مردودها محدودٌ سيما ووسائط العقاب متاحة لطهران.. ستكون واشنطن الكفيلة بضبط تل أبيب، بعد أن تكون هي قد فاءت إلى فيرساي مكبّرة… وكما كتبتُ قبل عشرة أيام، فالشهور القادمة شاهدة على انقلاب أحوال الاقليم، وما بعده، عاليها سافلها، وبالأخص ما بين ٧ أيلول و٣ نوفمبر.
البعض قال أن واشنطن ستعود إلى الحرب بعد الانتخابات؛ رأيٌ أراه شديد الخطل، فلا استعواض نواقص العتاد والذخيرة الذكية ممكنٌ قبل فترة طويلة - لمحدودية قاعدة الإنتاج الحربي -، ولا قدرة طهران على التعامل بمثل أو أشدّ مما سبق قد تراجعت، ولا الاقتصاد الكوني - والأمريكي في صدارته - بقادر على الصمود أمام زلازل متلاحقة.
مَن أدرك عطب الامبراطورية في الاقليم هم بعض حلفائها، الثقال، فيه؛ لذا سارعوا إلى محاولة ملء الفراغ في حلف ثلاثي أرادته السعودية واقياً لها من هجومات حلفاء طهران، من الشمال والجنوب، عليها.. والحال أن هناك قواتاً باكستانية [بحجم لوائين + لواء جوي] في السعودية، ولم تفعل شيئاً لا في الجنوب [آخرها أمس] ولا في الشمال؛ ولا في الشرق أيضاً: هذه القوات مخصّصة لتأمين النظام في الأساس.. وذات الحال مع القوات التركية [بحجم لواء معزّز] في قطر، فقد لبثت بلا حراك نحو الشرق فيما قطر تحت النار.. قيمة الحلف - وقتياً، وبعلم أن دواعي التنافر السعودي-التركي كامنة -، محض سياسية.. وخيرُ ما تفعله الرياض هو الكمون واجتناب "الفتنة"، لا انتواء حرب أهلية ساخنة في كل من اليمن والعراق... ثم إن ما أراه ردّ فعل حلفاء آخرين لواشنطن على الحلف الثلاثي ذاك هو تراصّهم في حلف مقابل؛ ضمّ إلى اسرائيل الهند، واليونان، والإمارات، والمغرب، و - ما أخشاه - اثيوبيا؛ وحالٌ انقسامي كهذا مبعث سرور لطهران بالطبع.
ضاعف من عسرة حال صاحب القرار في واشنطن تزامن فخّ ايران مع نكسة أوكرانيا.. أسارع لأقول أنني كتبت عن "نازلة روسية" قبل أسابيع برأي أن موسكو عالقة في فخّ تصعيد دون حيازة السيطرة عليه: ورغم أن الرأي، في عموم، ليس بعيداً عن الواقع إلا أن ما هوّن من أثره تدهور أحوال أوكرانيا بتسارع ضوئي؛ الأمر الذي حوّل النازلة إلى عارضْ.
خسارة حربين، في آن، لعمري فوق طاقة احتمال.. ولكن؛ الله غالب