ماذا حدث في مثل هذا اليوم، ٦ حزيران، من عام ١٩٦٧؟

د. كمال خلف الطويل

في اليوم الأول للحرب، ٥ حزيران، كان الفوز الاسرائيلي على جبهة سيناء في حدود التحمّل: تدمير الفرقة السابعة مشاة على المحور الشمالي: الشيخ زويد-رفح، واستشهاد قائدها ونائبه، ومعهما في حدود ٢٥٠ شهيد.. كان سبب سهولة الاختراق تمدّد قطاع الفرقة بما تجاوز نطاقها المحدّد في خطة "قاهر" للدفاع عن سيناء، والمقرّة في ديسمبر ٦٦.
‏مع صباح اليوم التالي، ٦ حزيران، كان الهجوم المضاد الذي شنته الفرقة الثالثة الآلية، والمتموضعة على خط الدفاع الثاني في قاطع الحسنة، بقيادة زلمة المشير [عثمان نصار]، بهدف استعادة المحور الشمالي، قد فشل؛ لكن الأدهى أن قاطع القسيمة، في المحور الأوسط، قد بات مهدداً باجتياح فرقة شارون له
‏غمر القلق المشير، فهاهما المحوران، اللذان أهملهما بظنّ أن المحور الجنوبي هو أمّ المحاور - إذ أعدّ فيه وله كل ما رأى فيه وسيلةً إلى فوز مبين في معركة مدرعات كاسحة -، وقد سقط الأول، وحوصر الثاني منذراً بالسقوط.
‏خطر له أن إنقاذ المحور الأوسط، عند القسيمة، استحق الاستعانة بالاحتياطي الاستراتيجي العام؛ الفرقة المدرعة الرابعة، المرابطة عند السفوح الشرقية للممرات الوسطى [جفجافة والختمية].. استشار قائم مقامه في سيناء، الفريق أول عبد المحسن مرتجي، قبل الظهر فأقنعه بخطل خياره، وباستبداله بسحب قوات الخط الأول [الفرقة السادسة الآلية على المحور الجنوبي، وقوة الشاذلي الخاصة بين الجنوبي والأوسط] إلى خط الدفاع الثاني [قاطع الحسنة-لبنى]، ونقل الفرقة الثالثة الآلية منه لتنضم إلى الفرقة الرابعة المدرعة على طول الممرات الجنوبية [متلا وجدي] والوسطى.. فإن احتاجت قوات الخط الثاني الجديدة للتراجع تتجمّع كل قوات سيناء على الخط الثالث عند الممرات لتقاتل حتى آخر طلقة وآخر رجل.
‏وافق المشير على الامتناع عن سحب الفرقة الرابعة شرقاً، وأبدى موافقة غير نهائية على باقي مقترحات مرتجي [أُخطر قائد جبهة سيناء، الفريق صلاح محسن، بالتأهّب لتنفيذها حال وصول الأمر]؛ بأمل أن فرقة القسيمة - بقيادة زلمة أخرى [سعدي نجيب] قادرة بعدُ على الصمود.
‏اتصل بعدها بعبد الناصر ليبلغه نية الانسحاب، وفق خطة مرتجي؛ فوافقه عليها
‏ما بين الحادية عشر قبل الظهر والثالثة بعد الظهر نشأ تطوّران: اجتياح القسيمة، ثم تهاوي المحور الشمالي، عند وبعد العريش، لحدّ وصول طلائع القوات الاسرائيلية إلى رمانة.. جرت محاولة لتدعيم رمانة، بقوة انطلقت من القنطرة، لكنها فشلت في الوصول [غرزت في الرمل!]
‏ارتاع المشير من الأمرين؛ لقد انصرف ذهنه لتخيّل حركة HAIL MARY من نظيره، موشي ديان، يحاصر بها جموع قواته على كل المحاور والأنساق، ولم يهدّئ من روعه أن حجم التمدّد محدود، ولا يكفي لهكذا حصار وبهذه السرعة.
‏استدعى رئيس الأركان، الفريق أول محمد فوزي، ورئيس هيئة العمليات - موثوقه - الفريق أنور القاضي، ومساعد الأخير، اللواء ممدوح جاد تهامي، عند الثالثة، مستعجلاً منهم خطة انسحاب.. عادوا اليه، قبل الخامسة، بواحدةٍ إلى الممرات، وعلى مدى أربعة أيام وثلاثة ليالي.. لم ينتظرهم؛ بل باغت الجميع، عند الرابعة عصراً، بقراره الانسحاب العام والشامل من كل سيناء في غضون ٢٤ ساعة، وليبدأ عند آخر ضوءٍ اليوم: ٦ حزيران.
‏حفلت الساعات الفاصلة ما بين تبليغ المشير القرار لقائد الجبهة [بل وقادة الفرق بنفسه] - مع قطع الاتصالات بين الجبهة والمركز - وبين الغروب بفوضىً عارمة: اتصل المشير بعبد الناصر ليخبره عن "اضطراره" لاستبدال خطة مرتجي بانسحاب عام سريع، خشية تطويق القوات [مستقلباً معركة سيناء: ٢٩-٣١ أكتوبر ٥٦]… صعق رئيسه، وطالبه بإلغاء القرار والثبات عند الممرات.
‏لكن الفوضى كانت قد ضربت أطنابها؛ لم يصدّق كثير من الضباط "العظام" [في المقابل، كان منهم رجال هزموا مقابلهم من قوات اسرائيلية هزائم تكتيكية فادحة في معارك ٥/٨ حزيران - قائد الفرقة السادسة: عبد القادر حسن، وقائدي لوائين مدرعين: عبد المنعم واصل وكمال حسن علي].
‏آذانهم، حين سمعوا بقرار الانسحاب، حتى تركوا ضباطهم الأصاغر وصف ضباطهم وجنوده، خلفهم مسارعين الريح الي الإسماعيلية فراراً.. ثم كان هناك اختلاط الأوامر عند البعض [مرتجي أم عام؟].
‏مع دخول ليلة ٦ على ٧ حزيران، واقتناع المشير بقرار رئيسه التشبّث بالممرات، لم يكن للتعديل الجذري هذا أثر عملاني فارق؛ فالفوضى والفرار باتا سمت الأداء
‏لقد حُسمت الحرب تلك الليلة.