الحاضر والماضي هما الوسيلة.. والمستقبل هو الغاية
مروان حبش
الماضي يعلّم، والحاضر يعمل، والمستقبل يبرر المعنى كله. وحين تدرك الأمم هذه الحقيقة، تبدأ فعلاً بالخروج من محنة الزمن إلى صناعة التاريخ.
حين تُثقل الأممُ خطاها تحت وطأة الأزمات، تميل إلى الالتفات وراءها أكثر مما تنظر أمامها. تستدعي الذاكرة، وتستنطق التاريخ، وتبحث في الماضي عن تفسيرٍ لما جرى، أو عن عزاءٍ لما انكسر، أو عن صورةٍ لما كانت تظن أنها كانت عليه. غير أن الأمم لا تُبنى بالالتفات وحده، كما أنها لا تعيش بالحنين مهما كان صادقاً وعميقاً. فالماضي، في جوهره، خبرةٌ لا إقامة فيها؛ والحاضر، مهما اشتد حضوره، ليس سوى مجالٍ للفعل والمسؤولية؛ أما المستقبل فهو الغاية التي تكتسب من أجلها الذاكرة معناها، ويكتسب من أجلها العمل اليومي مشروعيته.
في التجربة السورية تزداد هذه الحقيقة وضوحاً. فهنا لا نقف أمام أزمة عابرة في السياسة أو الاقتصاد، بل أمام امتحان تاريخي يتصل بمعنى المجتمع نفسه، وبصورة الدولة، وبالعلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الذاكرة الوطنية وإمكان المستقبل. وما يصح على سوريا، بدرجات متفاوتة، يصح كذلك على المجال العربي الأوسع؛ إذ إن العرب يعيشون منذ عقود توتراً دائماً بين عبء الماضي، واضطراب الحاضر، وغموض الأفق المقبل.
من هنا تبدو الفكرة الأساسية جديرة بأن تكون مبدأً للعمل العام: أن الماضي والحاضر وسيلتان، وأن المستقبل هو الغاية.
الماضي: حين تتحول الذاكرة إلى معرفة
ليس الماضي شيئاً ينبغي التخلص منه، ولا شيئاً يجوز تحويله إلى سلطة مطلقة فوق الحاضر. فالمجتمعات التي تنقطع عن ذاكرتها تفقد جزءاً من معناها، والمجتمعات التي تستسلم لذاكرتها تفقد قدرتها على التجدّد.
في سوريا، يحمل الماضي كثافة استثنائية. فهذه الأرض ليست مجرد جغرافيا سياسية، بل طبقات متراكبة من الحضارات، والأديان، والثقافات، واللغات، والأنماط الاجتماعية. وهي، في الوقت نفسه، ذاكرة حديثة مثقلة بالتوترات، والانقسامات، والخيبات، والآلام العميقة. لذلك لا يكفي أن يُستدعى الماضي بوصفه مادةً للاعتزاز أو مادةً للشكوى؛ بل ينبغي أن يُقرأ بوصفه خبرةً نقدية.
إن القراءة الوطنية الناضجة للتاريخ لا تبحث عن روايةٍ تنتصر لفئة على أخرى، بل عن حقيقةٍ تُنصف الجميع. ذلك أن المجتمع السوري لم يتكوّن من صوتٍ واحد، بل من إسهام جماعي شاركت فيه مكوّنات متعددة، دينيةً وقوميةً وثقافيةً واجتماعية. وحين لا يقرأ التاريخ بشكل نقدي، يتحول من ذاكرة مشتركة إلى أداة صراع. ويتم اختزاله في روايات أحادية. التاريخ يجب أن يُفهم كخبرة جماعية تشمل جميع المكونات الثقافية والدينية
والحال نفسه في الفضاء العربي. لقد أنجز العرب عبر قرون مساهمات كبرى في الفكر، واللغة، والعلوم، والفنون، وصناعة المعنى الحضاري. لكنهم عرفوا كذلك لحظات طويلة من الجمود، والانغلاق، وإعادة إنتاج السلطة بوصفها قدراً. ومن ثمّ فإن الحكمة لا تكون في تمجيد الماضي ولا في القطيعة معه، بل في تحويله إلى معرفةٍ تُعين على الفهم، لا إلى قيدٍ يمنع الحركة.
الحاضر: زمن القرار الأخلاقي والسياسي
الحاضر ليس مجرد لحظة زمنية بين ماضٍ انقضى ومستقبل لم يأتِ بعد؛ إنه اللحظة التي تتجسد فيها المسؤولية. ففيه تُصاغ الخيارات، وتُختبر الإرادات، وتُبنى إمكانات الغد.
والواقع الاجتماعي السوري اليوم - كما هو شأن مجتمعات عربية عديدة - واقع شديد التعقيد. فالشعب ليس كتلةً صمّاء، بل نسيج متنوع من الجماعات والانتماءات والذاكرات المحلية والتجارب التاريخية. غير أن التعدد في ذاته ليس مشكلة؛ بل يصبح مصدراً للغنى حين يُدار داخل إطارٍ وطني جامع.
إن المشكلة تبدأ حين يتحول التنوع إلى خوف متبادل، أو حين تصبح الهويات الجزئية بديلاً عن الهوية الوطنية. فالمجتمع الذي تُنهكه الريبة يفقد القدرة على بناء الثقة العامة، والثقة العامة هي الشرط الأول لقيام الدولة الحديثة.
ولذلك فإن المهمة الاجتماعية الأعمق ليست فقط إعادة بناء المؤسسات أو ترميم البنية التحتية، بل إعادة بناء المجال الأخلاقي المشترك: ذلك المجال الذي يشعر فيه الفرد بأنه مواطن كامل، لا تابعاً، شريكاً في المصير، لا مجرد متلقٍّ لقرارات الآخرين.
إن إعادة بناء الإنسان تسبق إعادة بناء الحجر. وما لم يستعد الإنسان كرامته وثقته ومكانته، فإن العمران سيظل قشرةً هشة فوق أرضٍ قلقة.
المستقبل: الغاية التي تمنح المعنى
المستقبل لا يأتي وحده، ولا تصنعه الأمنيات. إنه مشروع أخلاقي وسياسي وثقافي طويل النفس.
وهو لا يُورث، ولا يُستعار، ولا تمنحه الرغبات وحدها. إنه ثمرة إرادة عامة، وعمل طويل النفس، وأفق أخلاقي يتجاوز المصالح الضيقة.
وفي سوريا، يعني ذلك مشروعاً وطنيًا جامعاً يعترف بتعدد المجتمع، ويؤسس للمواطنة المتساوية، ويعيد بناء الثقة العامة، ويجعل الدولة بيتاً مشتركاً لا أداة غلبة.
وفي العالم العربي، يبدأ المستقبل حين يستعيد الإنسان العربي مكانته بوصفه فاعلاً في التاريخ لا مجرد موضوعٍ له؛ منتجاً للمعرفة لا مستهلكاً لها؛ مساهماً في الحضارة لا متلقياً على هامشها.
المجتمع السياسي: من الرعية إلى المواطنة
لا ينهض المستقبل من دون مجتمع سياسي حيّ. والمجتمع السياسي لا يُختزل في أجهزة الحكم، بل هو الفضاء الذي يمارس فيه المواطنون حقهم في المشاركة، والرقابة، والاختيار، والمساءلة.
إن المعضلة المركزية التي واجهت عددا ًكبيراً من المجتمعات العربية لم تكن فقط في سوء الإدارة، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ففي كثير من الأحيان جرى النظر إلى الناس بوصفهم رعايا، لا مواطنين؛ موضوعاً للضبط، لا شركاء في الشرعية العامة.
ومن هنا فإن الحاجة السورية - والعربية كذلك - ليست إلى مجرد تعديل إداري أو إصلاح شكلي، بل إلى تحول في الفكرة المؤسسة للدولة نفسها: دولة مواطنة، لا دولة امتيازات؛ دولة قانون، لا دولة إرادات متغلبة.
وحين تصبح الدولة إطاراً محايداً يحمي الجميع، يتحول الاختلاف من عامل تهديد إلى مصدر إثراء. أما حين تفقد الدولة حيادها وعدالتها، فإن المجتمع يبدأ في البحث عن الحماية خارجها، وتبدأ بذلك دورة التفكك.
ا لديمقراطية، في معناها العميق، ليست صندوق اقتراع فحسب. إنها منظومة قيم ومؤسسات تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وضمان الحريات العامة، والتداول السلمي للسلطة، وربط السلطة بالمساءلة.
المجتمع المدني: الضمير المنظم والحارس
بين الفرد والدولة مساحة حيوية لا يجوز أن تُترك فارغة. تلك هي مساحة المجتمع المدني. فالمجتمع المدني ليس ترفاً تنظيمياً، ولا مجرد نشاط خيري محدود. إنه المجال الذي تتكوّن فيه المبادرات الحرة، والنقابات، والهيئات المهنية، والمؤسسات الثقافية والحقوقية والاجتماعية. وهو بذلك يشكل أحد أهم شروط الصحة السياسية. وظيفته ليست معاداة السلطة بوصفها مبدأ، ولا الذوبان فيها. بل أن يكون رقيباً حين يلزم، وشريكاً حين يقتضي الصالح العام.
وحين يكون المجتمع المدني حراً وفاعلاً، تتسع دائرة المشاركة، وتُضبط السلطة، وتُفتح للمجتمع قنوات سلمية للتعبير والتصحيح. أما حين يضعف أو يُهمّش، فإن المجال العام ينكمش، وتضيق إمكانات الإصلاح.
الثقافة: معركة المعنى الكبرى
ليست السياسة وحدها ما يصنع المستقبل. فثمة مستوى أعمق يسبقها ويؤثر فيها.الثقافة ليست زخرفةً فوق الحياة العامة، بل هي الطريقة التي يفكر بها المجتمع، ويعرّف بها نفسه، ويفهم بها العالم. ومن دون ثقافة حية، لا يمكن أن تستقيم السياسة، ولا أن تتجدد المؤسسات.
إن ما تحتاجه سوريا والعالم العربي اليوم ليس مجرد الدفاع عن الموروث، بل القدرة على تجديده. فالوفاء الحقيقي للتراث لا يكون بتكراره، وإنما بإطلاق طاقته النقدية والإنسانية في الحاضر. ومن هنا تصبح الحاجة ملحّة إلى ثقافة تقوم على العقل النقدي بدل التلقين، وعلى الحوار بدل الإقصاء، وعلى المعرفة بدل الشعارات، وعلى الإبداع بدل إعادة إنتاج المألوف.
وفي هذا السياق، يحتل التعليم موقعاً مصيرياً. فلا مستقبل لبلدٍ يكتفي بتوريث المعلومات، ولا مستقبل لأمةٍ لا تجعل من المدرسة والجامعة ومراكز البحث فضاءاتٍ لإنتاج المعرفة لا مجرد مؤسسات للعبور الإداري.
حقوق الإنسان: قاعدة الشرعية، ومعيار الحضارة الحديثة
إن الحديث عن المستقبل لا يكتمل من دون الحديث عن الإنسان نفسه. فالإنسان ليس مادةً في مشروع سياسي، بل هو غاية السياسة كلها. ومن هنا فإن احترام حقوق الإنسان ليس بنداً تجميلياً في الخطاب العام، بل هو أساس الشرعية الحديثة.
الحق في الحياة، والكرامة، والحرية، والأمن الشخصي، وحرية الضمير والتعبير، ليست مِنحاً من سلطة، بل حقوق أصيلة تسبقها. وكذلك الحق في التعليم، والعمل، والصحة، والمشاركة السياسية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص.
وحين تُصان هذه الحقوق، يصبح المواطن شريكاً في الدولة. أما حين تُنتقص، فإن التوتر يتحول إلى بنية كامنة في المجتمع، قابلة للانفجار كلما اختلت الموازين.
ما لا ينبغي إغفاله، ثمة عناصر لا يكتمل أي تصور للمستقبل من دونها:
أولًا: العدالة الانتقالية. لا يمكن أن يُبنى الغد على إنكار الجراح. فالحقيقة، والإنصاف، والاعتراف، وجبر الضرر، والمساءلة القانونية، كلها شروط لازمة لكي تتحول الذاكرة من عبءٍ إلى طاقة أخلاقية تمنع التكرار.
ثانياً: التنمية الاقتصادية. فلا استقرار سياسياً بلا اقتصاد منتج. ولا مواطنة كاملة في ظل الفقر الواسع، والبطالة، واحتكار الموارد، وانعدام تكافؤ الفرص.
ثالثاً: دور الشباب. الشباب ليسوا جمهور المستقبل فحسب؛ إنهم قوة الحاضر نفسها. وإقصاؤهم من المجال العام يعني إقصاء الطاقة الأهم في المجتمع.
رابعاً: دور المرأة. لا يمكن لمجتمع أن يبلغ نضجه وهو يعطل نصف طاقته الإنسانية. فتمكين المرأة قانونياً، وثقافياً، واقتصادياً، وسياسياً، ليس مطلباً قطاعياً، بل شرطاً من شروط النهوض العام.
خامساً: الحوكمة الرشيدة ومحاربة الفساد. فالفساد لا يبدد المال وحده، بل يبدد الثقة، والثقة هي رأس المال الأخلاقي للدولة.
سادساً: التكنولوجيا والتحول الرقمي. إن العالم يعيد تعريف الاقتصاد، والتعليم، والإدارة، والمعرفة. ومن دون دخول فعلي في هذا التحول ستتسع الفجوة التاريخية أكثر فأكثر.
سابعاً: البيئة والموارد الطبيعية. فالماء، والطاقة، والتغير المناخي، والتصحر، لم تعد مسائل هامشية؛ إنها جزء من الأمن الوطني والاجتماعي للمستقبل.
وملاك القول، ليست قيمة الأمم في مقدار ما تتذكره فقط، بل في قدرتها على أن تصنع من ذاكرتها أفقاً جديداً للحياة. وليست المعضلة في أن يكون للأمم ماضٍ ثقيل، بل في أن تعجز عن تحويله إلى قوة دفع. وليست المشكلة أن يكون الحاضر عسيراً، بل أن يُنظر إليه بوصفه نهاية الطريق.