حين يُفتح صندوق لوزان.. لا أحد يخرج بريئاً
جوهر سعود
الذين يظنون أن الحديث اليوم عن الأوقاف، والملكيات، والوثائق العثمانية، مجرد ملف إداري عابر… لا يرون إلا سطح الماء، بينما الحيتان تتحرك في القاع.
القصة ليست عقارًا، وليست ورقة طابو، وليست نزاعًا على وقف هنا أو أرض هناك. القصة أخطر بكثير: إنها إعادة فتح ملف الحدود نفسها… إعادة فتح الجغرافيا، والسيادة، والشرعية، والتاريخ الذي دُفن تحت خرائط المنتصرين.
من لوزان 1923 إلى أنقرة 1921 إلى ضم لواء اسكندرون 1939، لم تكن المسألة مجرد اتفاقيات دولية، بل كانت عملية جراحية باردة لتفكيك الجسد السوري قطعة قطعة، تحت رعاية دول كبرى، وصمت إجباري، وخيانة مغلفة بالقانون. فرنسا لم تكن وصيًا، بل سمسار حدود. وتركيا لم تكن مجرد جار، بل مشروع توسع طويل النفس يعرف كيف ينتظر، وكيف يبتلع دون ضجيج.
حين تنازلت فرنسا عن أورفا ومرعش وعينتاب، لم تستأذن السوريين. وحين سُلخ لواء اسكندرون، لم يكن ذلك استفتاءً بريئًا، بل هندسة ديموغرافية، وتزويرًا سياسيًا، وشرعنة احتلال بربطة عنق دبلوماسية. سُمّيت “هاتاي”، ثم قيل للعالم: انتهى الأمر.
لكن التاريخ لا ينتهي بالتوقيع… بل يبدأ أحيانًا من هناك.
اليوم، حين يُعاد فتح ملف الأوقاف والملكيات، فالمسألة ليست تحصيل عائدات مالية كما يُقال بسذاجة رسمية تثير الشفقة أكثر مما تقنع. لأن أي طفل يعرف أن سجلات الأوقاف داخل سوريا موجودة في المحاكم الشرعية والسجلات العقارية، لا في خزائن أنقرة. فما الحاجة إذًا لفتح هذا الباب الآن؟ ولماذا بهذا التوقيت؟ ولمصلحة من؟
هنا يبدأ المسرح الحقيقي.
حين تدخل سلطة فاقدة للشرعية الوطنية والدستورية في ملفات سيادية بهذا الحجم، دون مشروع وطني جامع، ودون تفويض شعبي، فاعلم أننا لا نتحدث عن استعادة حقوق… بل عن إعادة توزيع نفوذ. عن صفقات تُطبخ في الغرف المغلقة، حيث تُباع السيادة بالمفرق، ويُعاد تعريف الوطن كملف استثماري قابل للتفاوض.
تركيا لا تتحرك بدافع الحنين العثماني فقط، بل بمنطق الدولة الباردة: تثبيت نفوذ، تغيير ديموغرافي، إعادة هندسة الملكية، وصناعة واقع جديد يجعل أي حديث مستقبلي عن السيادة مجرد نكتة سوداء.
الحالة السوري ليس إدارة مؤقتة، بل مختبر طويل الأمد لإعادة تشكيل الأرض والناس والهوية.
والمفارقة الساخرة أن من يفتح هذا الملف من زاوية واحدة، ينسى أن تركيا نفسها تجلس فوق جبل من الملفات المنفجرة: أملاك الأرمن، اليونانيين، السريان، العرب، الأوقاف المسيحية، الكنائس، والممتلكات المصادرة تحت أسماء قانونية أنيقة تخفي وراءها نهبًا تاريخيًا منظمًا. بل حتى السوريون أنفسهم كانت لهم أملاك واسعة في الأناضول وإسطنبول، ولم يتحول ذلك يومًا إلى نزاع دولي لأن الدولة كانت تعرف متى تصمت ومتى تفتح النار.
أما اليوم، فالبعض يريد فتح “صندوق باندورا” بيد مرتجفة، وكأنه لا يعلم أن أول ما سيخرج منه ليس الذهب… بل الأشباح.
لو فُتح هذا الملف حقًا، فلن يتوقف عند وقفٍ ديني أو عقار قديم. سيصل إلى لواء اسكندرون، إلى الحدود، إلى شرعية لوزان نفسها، إلى سؤال من يملك الأرض ومن يملك حق تعريفها. وهنا تتحول القضية من ملف عقاري إلى ملف وجودي.
المشكلة ليست فيما ضاع فقط… بل فيما يُعاد تشكيله الآن بصمت. الأرض تُعاد كتابتها، السكان يُعاد توزيعهم، والهوية تُعاد صياغتها، بينما الناس مشغولون بخبز اليوم وخوف الغد.
أخطر أنواع الاحتلال ليس الذي يدخل بالدبابة… بل الذي يدخل بوثيقة مختومة، واتفاق هادئ، وابتسامة دبلوماسية.
لهذا، المسألة ليست خلافًا قانونيًا… بل معركة على الذاكرة والسيادة والمستقبل.
ومن لا يفهم أن الخرائط تُرسم أحيانًا بالحبر، أكثر مما تُرسم بالدم… سيستيقظ يومًا ليكتشف أن وطنه لم يُحتل، بل تمّت أرشفته رسميًا.
والتاريخ، كما يفعل دائمًا، لا يكرر نفسه… بل يسخر ممن لم يتعلموا شيئًا منه.