سوريا واستحقاق الدولة الموحدة
مروان حبش
تمرّ سوريا اليوم بمرحلة شديدة الخطورة والتعقيد، تتداخل فيها التحديات وتتشابك فيها الأزمات الاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية على نحو غير مسبوق، في ظل إرث ثقيل من الحرب والانقسام، وقد أدّت سنوات الصراع الطويلة إلى إضعاف مفهوم الدولة، وتآكل الثقة بين المجتمع والسلطة، وتكريس أشكال متعددة من الإقصاء والهيمنة والاستقواء بالخارج، وتراجع مؤسسات الدولة، وانهيار شروط العيش الكريم. وغياب مشروع وطني جامع قادر على توحيد السوريين حول أفق مشترك.
لم تعد الأزمة مجرد صراع على السلطة، بل باتت تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة ذاتها، ولمستقبل المجتمع السوري بكل مكوناته.
في هذه اللحظة المفصلية، لم يعد ممكنًا القفز فوق السؤال الجوهري: كيف تُحكم سوريا، وبأي شرعية، ولصالح من؟
شرعية السلطة وحدود الاستقواء بالخارج
الأصل في أي سلطة سياسية أن تستمد شرعيتها من شعبها، لا من الخارج. غير أن الواقع القائم، يشير إلى سلطة لا تسعى إلى التشاركية، بل إلى احتكار القرار وفرض تصور أيديولوجي أحادي على مستقبل البلاد، وهو تصور لا ترضاه قطاعات واسعة من السوريين، لا تقتصر على مكونات دينية أو مذهبية أو قومية بعينها، بل تشمل شرائح اجتماعية وسياسية متعددة.
وإذْ تعجز السلطة عن إخضاع الرافضين بالقوة الداخلية، تلجأ إلى الاستقواء بالدعم الخارجي وبجمهور موالٍ يُستدعى غالبًا بخطاب تعبوي تحريضي. لكن الشرعية الدولية، التي يُراد توظيفها كرافعة دعم، ليست صكاً مفتوحاً، بل سيف ذو حدين، إذْ تفرض شروطاً قاسيةً، في مقدمتها "تنظيف البيت الداخلي" من الجماعات الجهادية المتشددة التي تسببت بكوارث وطنية وأمنية، وكان الهجوم الذي استهدف أمريكيين في تدمر بمثابة إنذار أخير لا يمكن تجاهله.
إن تقرير مصير سوريا لا يمكن أن يكون نتاج صفقات خارجية أو تفاهمات إقليمية، بل ثمرة إرادة وطنية حرة، تعبّر عن السوريين جميعاً، عبر حوار وطني متكافئ، قائم على الندية والاحترام المتبادل، وعلى رفض العنف والتحريض والانقسام، وصون السلم الأهلي بوصفه شرطاً لبقاء الدولة.
الدولة الواحدة: لا للتفكك، نعم للامركزية
في خضم النقاش حول مستقبل الحكم، تبرز أطروحات خطيرة، في مقدمتها مشاريع الكونفدرالية أو الصيغ التي تمهّد للتقسيم المقنّع. هذه الطروحات لا تشكّل حلاً للأزمة، بل وصفة لتفكيك سوريا وتقويض وحدتها التاريخية.
في المقابل، تطرحُ اللامركزية الإدارية نفسها كخيار وطني عقلاني، يعزز المشاركة المحلية، ويحسن إدارة الموارد، ويخفف من مركزية السلطة، ضمن إطار دولة موحدة ذات سيادة، لا تُختزل في فصيل، ولا تُدار بعقلية الغلبة (من يحرر يقرر- لا يحق للمخطوفة أن تسأل محررها إلى أين سيأخذها).
مؤسسات الدولة: بين التطييف والمهنية
لا يمكن بناء دولة حديثة على أسس طائفية أو أيديولوجية، ولا سيما في مؤسستي الجيش والأمن. إن تسييس هذه المؤسسات أو إخضاعها لهيمنة فصيل أو هيئة سياسية، مهما كان عنوانها، يقود حتماً إلى تفكيك الدولة من الداخل.
إنَّ المطلوب هو مؤسسات وطنية مهنية، جامعة لكل مكونات الشعب السوري، حيادية، غير مؤدلجة، تعمل وفق الدستور والقانون، وتخضع للمساءلة. ووزارات الدولة يجب أن تُدار بالكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص، لا بالمحسوبيات والولاءات الضيقة أو بمنطق "الغنيمة".
الفصائل وخطره على المجتمع
لا يمكن لسوريا أن تُحكم بمنطق الفصائل الآتية من "الأيديولوجيات"، بنظرتها إلى التنوع السوري، وبسواطيرها المادية والرمزية المسلطة على بعض المكونات المتجذرة في تاريخ البلاد. ولا يجوز دفعها، عن خوف ويأس، إلى "تأجير ظهورها "لقوى خارجية، وهو مؤشر بالغ الخطورة على انهيار الثقة الوطنية.
وفي القلب من هذه المأساة، تقف الهجرة النوعية، التي بلغت حدوداً تنذر بالانقراض. وهؤلاء المهاحرون ليسوا فقط ضرورة حضارية لسوريا، بل ضرورة وجودية، وخسارتهم بهذا الشكل تمثل واحدة من أكبر الكوارث الصامتة التي تعيشها البلاد، في زمن يُفترض فيه التفاعل مع ديناميات القرن الحادي والعشرين، لا الارتداد إلى عصور الغلبة والإلغاء.
مواطنون: من ضحايا النظام البائد إلى ضحايا "التغيير"
المواطنون، الذين كانوا من ضحايا الدرجة الأولى للنظام الأسدي، باتوا اليوم من ضحايا الدرجة الأولى في زمن "التغيير". والضرورة الأخلاقية والوطنية تفرض وقف مسلسل الدم والرعب الذي يواجهونه في المنزل والشارع والعمل، بعد طرد الآلاف منهم من وظائفهم، ودفعهم إلى حافة الجوع، في سياسة عقابية جماعية لا تقل خطورة عن سياسات الماضي.
العدالة لا الانتقام
لا يمكن لسوريا أن تنهض على أساس الظلم أو الانتقام. ما جرى من وقف للرواتب التقاعدية لمدنيين وعسكريين منذ أكثر من عام، من دون أي سند قانوني، وما رافقه من عدم إعادة الهويات الشخصية للعسكريين الذين أجروا تسويات، وحرمانهم من حق التنقل والعمل، يمثل انتهاكاً فاضحاً للحقوق الأساسية، ويقوّض أي ادعاء ببناء دولة قانون.
البديل الوحيد هو العدالة الانتقالية، بوصفها مساراً وطنياً شاملاً، يقوم على كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضرر، والمصالحة المجتمعية، بالتوازي مع تشريع قوانين حقيقية لمكافحة الفساد، وفي مقدمتها قانون "من أين لك هذا" لمحاسبة الفاسدين، واسترداد المال العام.
المجتمع السياسي والمدني: شريك لا تابع
إن استبعاد القوى السياسية الوطنية ومنظمات المجتمع المدني من الحياة العامة وصنع القرار يعمّق الأزمة بدل حلّها. سوريا بحاجة إلى مجتمع سياسي حيّ، وإلى منظمات مدنية مستقلة وقادرة، تشارك بفاعلية في بناء دولة المواطنة، وإرساء نظام ديمقراطي يقوم على سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات.
المطلوب اليوم، نداء وطني في لحظة مفصلية يؤكد على:
- العمل على معالجة أسباب الاحتقان والانقسام عبر سياسات عادلة، وليس عبر القمع والتهميش والإقصاء.
-قراءةُ سوريا بعين سورية، لا بعين أي زعيم أيديولوجي، ولا بعين أيٍّ كان غير سوري. إن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يتم إلا بسواعد أبنائها، وعلى أساس الشراكة الوطنية، والمواطنة المتساوية، والعدالة، والدولة الديمقراطية الجامعة.
-التأكيد على أن الحل في سوريا حل وطني-سوري، ينبع من إرادة السوريين الحرة، دون إملاءات أو وصاية أو شرعنة لقوى الأمر الواقع.
-رفض أي شرعية سياسية تُستمد من الاعتراف الخارجي أو من موازين القوة العسكرية.
- رفض هيمنة أي فصيل أو هيئة سياسية على الوزارات ومؤسسات الدولة، بما في ذلك الهيئات التي تمثل جماعات مسلحة بعينها.
-التأكيد على أن الشرعية الوحيدة المقبولة هي تلك المنبثقة عن الإجماع الوطني، والمشاركة الشعبية، والقبول العام، عبر آليات شفافة وديمقراطية.
إن هذه المرحلة تتطلب موقفاً وطنياً مسؤولاً، يستند إلى إرادة السوريين وحدهم، ويضع مصلحة البلاد ووحدتها فوق أي اعتبار. وذلك يوجب على السلطة الانتقالية، وعلى كل القوى الوطنية الصادقة من كافة جماعات الشعب، الالتقاء على مشروع وطني جامع، ينقذ البلاد من التفكك، ويضعها على طريق الاستقرار والكرامة والحرية.