سورية بين “التعليق المشروط” و”العبور تحت الفصل السابع”

مروان حبش

سورية بين “التعليق المشروط” و”العبور تحت الفصل السابع”
حول تعليق العقوبات وإدارة المخاطر الدولية
كيف تُدار سوريا دولياً كملف أمني عالي المخاطر لا كمشروع دولة.
وهم رفع العقوبات وبداية العدّ التنازلي
تعيش سورية اليوم واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية التباساً وخطورةً. فعلى سطح المشهد، يجري تسويق خطابٍ متفائل عن "رفع العقوبات"، و"فتح باب الاعتراف الدولي"، و"العبور إلى الشرعية". لكنّ ما يكمن تحت هذا السطح، كما تكشفه قراءة متأنية لنصّ قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي (NDAA) لعام 2026 وقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في 6 تشرين الثاني 2025، هو واقعٌ مختلف تماماً: لم تُمنح سورية فرصة تعافٍ، بل تُوضَع داخل نظام اختبار أمني دائم، حيث الخطأ الواحد قد يُسقط كل شيء.
لا يمكن التعامل مع الحدثين كقرارات منفصلة، بل كجزء من منظومة ضبط دولية واحدة، تُدار بعقلٍ أمني لا سياسي، وبمنطق "إدارة المخاطر" لا "بناء الدول".
أولاً: قانون قيصر لم يُرفَع بل أُعيد تصميمه.
1-خدعة المصطلح: "تعليق" لا "رفع"
ما أُدرج في ميزانية وزارة الدفاع الأميركية لا يُمكن، قانونياً أو سياسياً، وصفه برفع للعقوبات. بل تعليق مشروط داخل بنية عقابية ما زالت قائمة، بل وأكثر خطورة من السابق، لأن جوهرها يقوم على آلية واحدة . Snapback وهي ليست تفصيلاً تقنياً، بل سيف قانوني مُعلّق فوق الدولة السورية. هذه الآلية تعني: إعادة العقوبات فوراً دون تصويت جديد في الكونغرس. دون قرار رئاسي. دون تحقيق دولي.
ودون حق اعتراض سوري. يكفي “تقدير” إداري أميركي بأن الشروط لم تُحترم.
2-. الدولة تُعاقَب على الفوضى لا على القرار
الأخطر في النص الأميركي أنه لا يشترط أن يكون الإخلال قراراً حكومياً. بل، حادثة أمنية، اعتداء طائفي، تصرّف عنصر منفلت، مقطع فيديو واحد. كلّها كافية لتفعيل snapback خلال ساعات. هنا تُحاسَب الدولة على "عجزها. على ضعفها. على ما لا تملكه من سيطرة". أي أن سورية لا تُطالَب بأن تكون دولة فاعلة، بل بأن تكون دولة مثالية أمنياً في ظرفٍ مستحيل.
ثانياً: كيف ترى واشنطن السلطة الانتقالية؟
- إدارة لا تُعترف بها، لأن اللغة المستخدمة في وثائق الكونغرس ليست لغة شراكة أو انتقال سياسي.
هي لغة: تفتيش. مراقبة. تقييم. اختبار.
-السلطة القائمة لا تُعامل كحكومة، ولا حتى كسلطة انتقالية ذات أفق سياسي، بل كـإدارة مؤقتة عالية المخاطر. وهذا توصيف أمني صرف، يُستخدم عادة مع: مناطق خارجة من سيطرة تنظيمات. دول فاشلة. وكيانات تحت الوصاية.
- اللافت، بل الصادم، هو ما لم يرد في النص: لا ذكر للدستور. لا للانتخابات. لا للعدالة الانتقالية. لا للمعتقلين. لا للمساءلة. إن المعيار الوحيد المطروح هو: هل تستطيع السلطة منع الاعتداء على الأقليات؟ وهذا ليس معيار بناء دولة، بل اختبار ضبط أمني منخفض السقف.
ثالثاً: الأقليات كأداة قياس لا كشريك وطني
التركيز المكثّف على الأقليات الدينية والإثنية لا يعكس رؤية تعددية، بل يكشف عجزاً كاملاً عن تخيّل دولة وطنية جامعة.
1-تحويل الأقليات إلى "مؤشّر إنذار" أي اعتداء على أقلية لا يُقرأ كجريمة داخلية، ولا كفشل أمني قابل للإصلاح. بل يُترجم فوراً إلى "فشل سياسي، ذريعة قانونية، ومبرّر جاهز لتفعيل ".."snapback
وبذلك تصبح البلاد رهينة لأي انفجار طائفي، سواء كان عفوياً أو مفتعلاً.
2-السويداء: من محافظة إلى زر ضغط، ذكر السويداء بالاسم ليس صدفة. إنه إعلان غير مباشر بأن المحافظة تحوّلت إلى نقطة اختبار دولية. أي خطأ فيها سيُناقَش في واشنطن، لا في دمشق.
رابعاً: مجلس الأمن، العبور تحت الفصل السابع
1- رفع الاسم، لا رفع الوصمة
قرار مجلس الأمن برفع اسمي رئيس السلطة الانتقالية، ووزير الداخلية من قوائم الإرهاب لا يُمثّل اعترافاً سياسياً، بل إعادة تصنيف. تم نقل الشخصيتين من: قائمة إرهاب إلى قائمة مراقبة قانونية دولية أدقّ وأكثر إلزاماً. كل ذلك تحت الفصل السابع، أي منطق الامتثال أو العقاب.
2-ملف المقاتلين الأجانب، قلب الفخ
الشرط المركزي في القرار هو التعامل الفوري مع المقاتلين الأجانب. "نزع سلاح. ترحيل. إعادة تأهيل. إشراف أممي مباشر". وهذا شرط: يفوق قدرات دولة خارجة من حرب. ويضع السيادة عملياً في يد الخارج. أي فشل في التقارير الدورية يعني" إعادة الإدراج. تجميد الأصول. حظر السفر. عزل فوري".
خامساً: هشاشة السيادة، وامتحان وزير الداخلية يقف في مركز العاصفة: "ضبط الحدود. السجون. الأمن الداخلي. مراكز الاحتجاز".
لا يمنح الفصل السابع هوامش، لا نوايا، لا أعذار. فقط نتائج، وأي خلل سيُسجَّل دولياً لا كفشل إداري، بل فشل سياسي. ويؤخذ كدليل على أن "الدولة لم تتغيّر".
سادساً: الأثر الكارثي على مستقبل سورية
1-دولة بلا حق في الخطأ. سورية اليوم هي الدولة الوحيدة تقريباً التي لا يُسمح لها بالفشل. لا يُسمح لها بالتجربة. لا يُسمح لها بإدارة تناقضاتها داخلياً. وهذا شرط مستحيل، يُنتج شللاً سياسياً. خوفاً دائماً. وإدارة أزمة بلا أفق.
2-من عبور مشروط إلى عبور مراقَب.
سورية أمام كل ذلك ليست في بداية التعافي بل في لحظة الحقيقة. لأن ما يجري ليس رفعاً للعقوبات، ولا طيّاً لصفحة الحرب، بل بداية مرحلة أخطر، مرحلة لا يُغتفر فيها الخطأ، ولا تُحتمل فيها الفوضى، ولا يُسمح فيها بتأجيل بناء الدولة.
وما لم يتحوّل هذا المسار إلى مشروع وطني جامع، ستبقى سورية "مفعولاً بها"، وستُدار كملف أمني طويل الأمد، وسيبقى الخارج هو من يكتب شروط المستقبل.
إما أن ينجح السوريون في إنتاج مشروع وطني جامع. بناء مؤسسات حقيقية. انتزاع تعريف الدولة من المنظور الأمني. أو سيبقى "العبور المشروط" عبوراً مراقَباً نحو المجهول.