الموروث الفلسطيني.. ذاكرة لا تُهزم وسرديّة تُفشل محاولات المحو

رائد قديح 

لم يكن الصراع في فلسطين، في أي مرحلة من مراحله، صراعًا على الأرض باعتبارها مساحة جغرافية فقط؛ فالأرض مهما عظمت قدسيتها تبقى ثابتة، شاهدة على مرور الشعوب واندثار الإمبراطوريات، بينما تبقى الهوية وحدها هي الكيان الذي يسعى الاحتلال لخلخلته واقتلاعه.
فالجغرافيا يمكن احتلالها، أما الذاكرة فلا تُحتل، بل تُحاول الأنظمة الغازية دومًا أن تعيد صياغتها، تهميشها، وإفراغها من معانيها.
وهنا تكمن خطورة المشروع الصهيوني: ليس في استيلائه على الأرض فحسب، بل في سعيه المحموم لطمس الذاكرة الفلسطينية وتفتيت الشعب إلى فئات ومسميات تُراد لها أن تتحول إلى هويات بديلة: شتات، 48، ضفة، غزة، مخيم، لاجئ، مواطن… تقسيمات ظاهرها توصيف، وباطنها أداة تفكيك وإفراغ.
إن جوهر الصراع الحقيقي هو الصراع على الرواية: من يمتلك الحق في قول قصته؟ من يملك ذاكرة المكان؟ ومن يملك شرعية الانتماء؟
ولهذا تُدرِك الحركة الصهيونية أن الموروث الشعبي الفلسطيني بما يحمله من رموز ودلالات ... ليس مجرد فولكلور، بل وثيقة وجود، ومتراس دفاعي، وسلاح استراتيجي ينسف السردية المصطنعة التي بُنِي عليها المشروع الاستيطاني.
فالموروث الفلسطيني لم يُصنع في غرف السياسة ولا في مراكز التفكير، ولم تكتبه مؤسّسة رسمية، بل خرج من عمق الناس: من وجع الأمهات وحنين الجدّات وأهازيج الحصّادين، من عيون الفلاح، من أسماء القرى التي بقيت تشهد على سكانها رغم تغيّر الحكّام وتعاقب المحتلين.
ومن هنا تأتي قوته: إنه تراث لا يمكن هندسته سياسيًا، لأنه وليد الطبيعة والإنسان والتجربة، لا وليد الدعاية.
إن الاحتلال يخشى الأغنية التي تتوارثها الأجيال أكثر مما يخشى النصوص السياسية، ويخشى الثوب الموروث أكثر مما يخشى الرصاصة، لأن الأغنية تنتشر بلا حدود، ولأن الثوب يحمل تاريخًا لا يمكن مصادرته، ولأن الرموز الشعبية لا تخضع لمعادلات القوة والسياسة، بل لقانون الذاكرة الجمعية، وهو قانون لا تستطيع قوة في العالم الاستيلاء عليه.
لقد حاول الاحتلال بداية من المؤرخين الزائفين وصولًا إلى المؤسسات الأكاديمية الموجّهة أن يخلق لنفسه سردية تاريخية تُشرعن وجوده في فلسطين. ولكنه اصطدم دائمًا بحقيقة لا تتغيّر: أن الفلسطيني لم يهبط على هذه الأرض من فراغ، ولم يصل إليها بالصدفة، بل هو امتداد لحضارات ضاربة في عمق التاريخ: الكنعانية، اليبوسية، الآرامية، والرومانية والبيزنطية والعربية والإسلامية…
طبقات من الزمن تتراكم على أرض واحدة، تشهد جميعها على أن الشعب الفلسطيني ليس دخيلًا على تاريخه، بل هو وريث شرعي لمسار حضاري طويل، ومشارك فعلي في تشكيل وجه هذه الأرض عبر آلاف السنين.
ولذلك، حين يحمل الفلسطيني تراثه معه إلى المنافي، فهو لا يحمل قطعة قماش أو جملة غنائية، بل يحمل وطنًا مصغّرًا، وجسرًا يربطه بذاته الأولى. فالفلسطيني رغم التهجير وتشتيت العائلات والحصار أعاد بناء فلسطين حيثما عاش: في مخيمات لبنان، في شوارع عمّان، في أحياء دمشق، في عكا وحيفا واللد، وفي مدن العالم التي تستضيفه مرغمًا.
لقد تحوّل الفلسطيني إلى كائن يحمل وطنًا متنقّلًا في ذاكرته، حتى أصبح الصراع أوسع من حدود الجغرافيا، وأعمق من أي صراع سياسي؛ صار صراعًا على المعنى، على الوعي، على القدرة على البقاء كفكرة قبل أن يكون كجسد.
وعندما نتأمل رموز الموروث "من الثوب المطرّز الذي يحمل خرائط الأرض، إلى المثل الشعبي الذي يلخّص حكمة السنين، إلى الأغنية التي تُغنّى في الأعراس والمواسم، إلى أدوات الزراعة التي ما زالت تُستخدم رغم الحداثة، إلى لهجة الفلاح التي تسكنها رائحة التراب" ندرك أن هذه العناصر ليست تجميلًا للماضي، ولا ترفًا ثقافيًا، بل أدوات مقاومة ناعمة، تُعيد تثبيت الجذور في مواجهة محاولات الاقتلاع.
إن هذه الرموز ولدت من نبض الناس، ولذلك بقيت أعمق ثباتًا من علمٍ رسمي أو شعار سياسي.
فالثوب الذي تنسجه المرأة الفلسطينية في قريتها لم يكن مجرد لباس، بل كان وثيقة هوية، و"خريطة" تحمل أسماء الحقول والجبال.
والمثل الشعبي لم يكن مجرد حكمة، بل أداة تربية.
والأغنية لم تكن نغمًا عابرًا، بل ذاكرة صوتية تحفظها الأجيال، وتورّثها كما يورّثون أسماء القرى.
ورغم أن فلسطين تُعد واحدة من أقدم ساحات الحضارة الإنسانية، فإن ما تتعرّض له اليوم من محاولات محو وتهويد يُعدّ أخطر ما تواجهه عبر تاريخها الطويل.
فالأرض التي احتضنت الكنعانيين واليبوسيين والآشوريين والبابليين والفرس والرومان والبيزنطيين والعثمانيين، وحملت على ترابها أهم مقدّسات المسلمين والمسيحيين " من المسجد الأقصى وقبة الصخرة إلى كنيسة المهد والقيامة ومقام إبراهيم " تجد نفسها اليوم أمام مشروع يسعى لإعادة صياغة كل معالمها تحت لافتة «إسرائيل الحديثة»، كما تمت محاولة صناعة «أسطورة أرض الميعاد» قبل عقود.
ومن هنا، يصبح الحفاظ على الموروث الثقافي — ماديًا كان أم معنويًا — واجبًا وطنيًا، ليس بوصفه حنينًا للماضي، بل باعتباره قاعدة حماية للهوية. فالمعركة اليوم ليست معركة حدود، بل معركة رواية. وليست معركة بندقية فقط، بل معركة ذاكرة.
إن الاحتلال يستطيع السيطرة على الطرق والحواجز، لكنه لا يستطيع السيطرة على الأغنية التي تنتقل من فم إلى آخر.
يستطيع تغيير أسماء الشوارع، لكنه لا يستطيع تغيير أسماء القرى في ذاكرة أهلها.
يستطيع هدم البيوت، لكنه لا يستطيع هدم المعنى الذي خلّفته تلك البيوت في قلوب ساكنيها.
هذا يعني أن الفلسطيني الذي يمتلك تراثه يمتلك أعظم سلاح في معركة الوجود: سلاح الذاكرة.
وذاكرة الفلسطيني ليست مجرد أرشيف، بل مشروع مقاومة مستمرة، وصياغة مستقبلية لما يجب أن يكون عليه هذا الشعب بعد قرن أو قرنين.
إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح.
ومَن امتلك ذاكرة حيّة… لا يُهزَم.
ومَن حمل تراثه… لا يُمحى.
ومَن حفظ روايته… يحفظ وجوده ومستقبله.