يوميات في هذه الأيام لمحمد كامل الخطيب
محمد كامل الخطيب
كان الرابط، أو اللاحم العقائيدي، أو العقد الاجتماعي للدولة الامبراطورية العثمانية هو الدين الإسلامي طوال فترة امتدادها ونشر نفوذها وعقيدتها، أو لاحمها الاجتماعي الاسلامي خارج مكان تأسيسها، ومن ثم سيطرتها على مركز الحضارة البيزنطية- القسطنطينة -، ليصبح بذلك العثمانيون ورثة تلك الأمبراطورية البيزنطية المنهارة، ولتمتد، فيما بعد، إلى المناطق البيزنطية القديمة التي استولى عليها العرب في حروبهم الأولى زمن الأمويين.
2 -
عاشت المنطقة العربية في ظلال للحكم العثماني، ولاحمه العقائدي الإسلامي فترة تقارب - 400 - سنة، دون شعور، بشكل عام، بالغربة عن هذه الدولة الإمبراطورية ولاحمها العقائدي الإسلامي، إلى جاءت فترة تدهور الإمبراطورية ودخولها حالة
- الرجل المريض -
في محاولة الاصلاح لهذه الدولة، أو معالجة وإنقاذ هذا - الرجل المريض - جرت ثلاث محاولات، اثنتان منها في القرن التاسع عشر، عرفت ب - التنظيمات الخيرية - في عامي - 1839 - و- 1856 - ثم جاء صدور الدستور العثماني عام - 1876 - بهمة الضغط الأوربي والتنويري الأصلاحي التركي - مدحت باشا - ثم كان تعليق هذا الدستور، واغتيال - مدحت باشا - من قبل السلطان عبدالحميد، والعودة إلى حكم الاستبداد، والرابط الديني للدولة، ثم لتأتي المحاولة الرابعة من خلال انقلاب عام - 1908 - الذي أتى بجماعة - الاتحاد والترقي - والثالوث القومي- طلعت وأنور وجمال -، جمال السفاح الذي أعدم الطليعة الثقافية العربية في - سورية، عام - 1916 -.
قاد - المثلث التركي المذكور الإمبراطورية العثمانية إلى حتفها الأخير، ومن ثم أتى - مصطفى كمال أتاتورك - للمضي قدما في الخيار القومي العلماني أساسا جديدا لما بقي مما بقي من الإمبراطورية العثمانية، ملغيا الخلافة، ومعلنا الجمهورية العلمانية، وهكذا نشأت تركيا الجديدة، على أساس جديد كليا، بينما بقي العرب يدورون في فلكهم القديم... أياه.
- 3
كانت القرن التاسع عشر هو عصر الفكرة والدولة القومية والعلمانية، وأفكار الثورة الفرنسية، عموما، وقد اقتبس الأتراك هذه الأفكار وتمثل اقتباسهم في تأسيس جمعية - تركيا الفتاة - وهي التي نشأت على أفكارها القوى التي قام على أساسها انقلاب - 1908 - وأفكار الثلاثي العثماني، وأتاتورك.
4 -
لكن - المشكلة العربية - نشأت في هذه الفترة، إذ أن إحلال اللاحم، أو - الرابط القومي التركي -، مكان الرابط، أو اللاحم الاسلامي، ومحاولة تتريك - باقي العناصر-، على لغة ذاك الزمان، كان قد أوجد مسافة اختلاف بين العرب والأتراك الحاكمين الجدد.
4 -
كان العرب يعتبرون أنفسهم شركاء في السلطنة على أساس الامبراطورية ورابطها الاسلامي، وانصافا للحقيقة والتاريخ أقول
أ -
وقفت المؤسسة الدينية الاسلامية، بمن فيها، ما يعرف ب - علماء الشام - أي المشائخ الذين يروج لهم هذه الايام وتكتب عنهم الكتب المتحمسة، بعامة، مع أكثرية من الرعايا من المسلمين ضد أجراءت التحديث، وناصروا حكومة السلطان عبدالحميد ورابطتها الاسلامية التي انقرضت في تركيا، فيما بعد.
ب -
لم يفكر العرب في الانفصال عن الدولة، وتأسيس جمعيات مستقلة، إلا بعد وضوح الاتجاه الفكري والسياسي والعملي لجمعية الاتحاد والترقي وأكثر شبان - تركيا الفتاة -، وجل ما طالب به العرب، أنذاك، هو اللامركزية، كما جرى في - مؤتمر باريس - 1913 -.
هنا يمكن ملاحظة أن وقوف العرب، و - علماء الشام - الدمشقيين، تحديدا، مع السلطان عبدالحميد وسياسته وأفكاره، كان سببا هاما في عدم نشوء حركة تنوير ونهضة في مدينة دمشق، اذ بقيت دمشق محافظة على ولائها المؤسسة العثمانية، بينما انطلقت في مدن مثل القاهرة وبيروت وحلب، حركات وأفكار ومؤسسات ثقافية تنويرية جديدة، إذ لم يظهر في دمشق خلال هذه الفترة أي عمل ثقافي مهم، أو أي شخصية نهضوية هامة، باستثناء ضعيف هو الشيخ - طاهر الجزائري - ونشاطاته التربوية المتوافقة مع تجيددات وتشجيع من- الوالي التركي- مدحت باشا - في حين ظهرت في حلب شخصيات أدبية وفكرية هامة مثل - أل المراش، وخصوصا فرانسيس، وأل الدلال ورزق الله حسون وقسطاكي الحمصي، و ميخائيل صقال وعبدالرحمن الكواكبي وغيرهم، وأخيرا سامي الكيالي ومجلته النهضوية كبيرة - الحديث - 1927 - 1958 - التي واكبت تيار اللبرالية المزدهرة في مصر أنذاك، بينما بقيت دمشق مدينة وثقافة محافظة.
5 -
أدت هزيمة الإمبراطورية العثمانية وتفكيكها، إلى تفكك اللاحم الديني الذي قامت عليه، والى انفصال العرب، ووقوعهم تحت السيطرة الاستعمارية الأوربية، فكان لا من البحث عن هوية جديدة وبديلة، أو لاحم جديد لهذه المنطقة والثقافة القديمة التي أنفصلت عن العثمانية ورابطها الديني، أو عاقدها - الاجتماعي الاسلامي، وقد كان - الرابط، أو اللاحم العربي- جاهزا وراسخا تقريبا، وشبه معقول، فثمة ثقافة ولغة مشتركة لهذه المنطقة، وقد مهد لهذه الحالة أو الرابطة الجديدة، أي اللاحم العربي تاريخ وواقع ثقافي ولغوي عربي منذ القرن التاسع عشر، و تمهيد عبر الجمعيات والمؤسسات الأدبية والسياسية في القرن العشرين، عندما تبينت نية التتريك لدى جمعية الاتحاد والترقي.
6 -
وعلى أساس هذا اللاحم أو العقد، أو الرابطة العربية الجديد - القديمة قامت مملكة فيصل العربية الأولى عام - 1920 -، واستمر هذا الرابط فعالا في مختلف الأوقات والدول والدويلات والاتحادات والانفصالات التي قامت في شرق المتوسط إلى عام - 2025 - حتى تحت الحكم الاستعماري، إذا لاحت، في هذا العام، علامات وأفكار ومشاريع إخراج هذا الرابط اللاحم، او العاقد العربي من التداول والتمثيل والعقد الاجتماعي المعمول به والعودة الى الرابط الديني الاسلامي الذي طوي مع طي صفحة العثمانيين ورابطهم الاجتماعي والديني أياه.
7 -
قسم الفرنسيون والانجليز المنطقة إلى دول ودويلات تعرفونها، وما سمي - سورية - انذاك، قسم إلى خمس دويلات، ثم مع كثير من الوصل والفصل والضم والقطع، تأسس الاتحاد السوري، مما لا مجال لذكره هنا، في كل مراحل الانتداب والاستعمار، وخلال عمليات القص واللصق التي جرت في هذه المنطقة المعنية، ظل الرابط العربي هو اللاحم والعاقد، وعلى أساسه تأسس - الاتحاد السوري -، وكانت آخر خطواته في عام - 1946 -، عندما انضمت فعليا وقانونيا حكومتا اللاذقية والسويداء إلى هذا الاتحاد، مع جلاء الفرنسيين، اذ تشكلت دولة جديدة مكونة من مجموعة من مناطق مختلفة تتحد في كيان واحد مستقل للمرة الأولى في التاريخ.
8 -
اليوم تلوح أشارات للتخلي عن هذه الفكرة الرابط، أو العقد الاجتماعي الوطني - الاجتماعي للاتحاد السوري على أساس العودة إلى الرابط الاسلامي من قبل سلطات الأمر الواقع، المؤقتة، مثلما يقال، كما يظهر من بعض القرارات والسياسات والبروغاندا الأخيرة في سورية.
9 -
هنا أريد أتكلم بصراحة المراقب والمحلل للواقع والفكر والتاريخ، وأقول ما يلي - بصراحة مطلقة السراح -
أن التخلي من قبل أي كان، ومن أي طرف، وخصوصا من سلطات الأمر الواقع، عن الرابط العربي للاتحاد السوري، هو حل وتفكيك للرابطة العربية والعقد الذي قام هذا الاتحاد على أساسه، وبالتالي، وكما يحدث في كل حل لرابط، أو عقد، أو شركة، أو زواج، فأن الأطراف الأخرى في الرابط، أو العقد المحلول ستكون، واقعيا، حرة في اختيار الرابط الذي تراه مناسبا ومؤمنا لحياتها وأمنها وتاريخها ومستقبلها.
بصراحة ثانية
1 -
مابعد مجازر الساحل والسويداء ليس كما قبلها، وتذكروا أن أحداث ومجازر -1860 - في لبنان ودمشق هي التي وضعت الأساس الأول لانفصال - لبنان - عن محيطه الطبيعي، وتشكيل - دولة لبنان الكبير المستقل عام - 1920 -.
ربما لهذا يأمل المرء، بل ويرجو، ألا يعيد البشر، ولا أقول التاريخ، حماقاتهم.
2 -
الجغرافيا والهويات والشركات والعقود والاتحادات، كما علمنا التاريخ، ليست دائمة، وليست أبدية، وليست مقدسة. فالهويات هي -تخيلات - كما وصفها الكتاب الشهير ل - بندكت أندرسن -
- الجماعات المتخيلة -.
وهذا الكلام ليس دعوة لفكرة، أو مشروع ما، وأنما هو تحذير وتحليل وقراءة للواقع والتاريخ.. وعلم الأجتماع.