قراءة في المرحلة الأولى من اتفاق (خطة ترامب) لإنهاء الحرب في غزة

مروان حبش

الإعلان عن المرحلة الأولى من خطة ترامب يمثل لحظة أمل محتملة بعد سنتين من حرب مدمرة لكنه اختصار لمتاهة من التحديات. ولكي يبقى الأثر الإيجابي واقعياً يجب أن يترافق التنفيذ الفوري والمُؤسَس بآليات حماية للمواطنين، شفافية في الإعمار، ومشاركة فعلية من الفلسطينيين أنفسهم في صياغة مستقبلهم. إن نجح ذلك، فقد يتحول وقف النار إلى بداية استقرار؛ وإن فشل، فسيكون مجرد تهدئة مؤقتة تترك جذور الأزمة دون معالجة.
بحسب الإعلانات الأمريكية والإعلام الدولي، تتضمن المرحلة الأولى أساسًا، وقفاً متبادلاً للأعمال القتالية، إطلاق سراح عدد كبير من الرهائن/الأسرى (تصرح واشنطن بأنَّ كل الرهائن سيُفرَج عنهم قريبًا)، انسحابًا جزئياً أو سحبًا للقوات الإسرائيلية إلى خطوط يتم الاتفاق عليها، وتدفقًا موسعًا للمساعدات الإنسانية إلى غزة، بالإضافة إلى تبادل أسرى بين الطرفين. الاتفاق جزء من "خطة من 20 بندًا" أعلنها البيت الأبيض مطلع تشرين الأول 2025.
البُعد الإنساني للاتفاق، وماذا يعني لسكان غزة؟
1-تخفيف فوري للمعاناة اليومية (افتتاح ممرات ومساعدات)، إذا نُفِّذت بنود إدخال المساعدات ورفع القيود، فسيعني ذلك وصول مياه شُرب، غذاء، أدوية، ووقود للقطاع الصحي الذي احتُقِرَ خلال السنتين الماضيتين. وهذا قد يخفض حدة الجوع والمرض على المدى القصير. ومع ذلك، مستوى التعافي يعتمد على حجم المساعدات وإمكانية توصيلها دون عوائق أمنية أو بيروقراطية.
2- اطلاق سراح الرهائن له أثر نفسي واجتماعي، ويحمل أثرًا إنسانيًا هائلاً لدى العائلات والمجتمع، وقد يخفف من حالة الصدمة الجماعية لدى جهتين (أسر الرهائن والإسرائيليين) ويزيد من الضغط الدولي لإنهاء الحرب. وقد لا يترتب على الإفراج تبعات قانونية أو عودة للانتقام الفردي، وهذا غير محسوم ويعتمد على ضمانات تنفيذية.
3- رغم وقف القتال، سيواجه مواطنو غزة كارثة إنشائية (منازل مدمرة، بنى تحتية منهارة، شبكات مياه وصرف وكهرباء مدمرة). وإن إعادة الخدمات الأساسية وإزالة الألغام والذخائر بحاجة لعمليات طويلة وممولة جيدًا. حتى لو تم تفعيل بند إعادة الإعمار في الخطة، فإن السرعة والجودة ستحددان ما إذا كان الترميم سيمنع موجات نزوح داخلية أو عودات غير مستدامة.
4- البُعد السياسي، من يكسب وماذا يبقى عالقًا؟
إن القبول بالمرحلة الأولى قد يمنح حماس إنجازًا داخليًا — إنهاء الحرب وإعادة حياة يومية — لكنه يأتي مع شروط (ما يُقال عن «نزع السلاح» وإعادة تشكيل الحُكم). هذه الشروط قد تُضعِف جناحا عسكريًا داخل الحركة أو تولّد انقسامات بين قادتها ومكوّنات المجتمع. وغير واضح كيف ستتوازى هذه الشروط مع مطالب السكان؟
يذكر لإعلان وسطاء إقليميين (مصر، قطر، تركيا) والولايات المتحدة كحُكم؛ هذا يعيد غزة إلى ساحة نفوذ دولي أوسع، لكن أيضاً يجعل تنفيذ ما بعد المرحلة الأولى رهينًا بتوازن هذه الدول ومصالحها. وستكون الضمانات الدولية (الأمم المتحدة، دول مانحة) ضرورية لتمويل إعادة الإعمار وحماية المدنيين.
كما أن الخطة الأوسع تتحدث عن إطار إعادة إعمار وربما إشراف خارجي أو هيئة إدارية جديدة (خُطط سابقة ذكرت أسماء أو أجسام دولية محتملة). ويبقى السؤال السياسي الكبير هو من سيدير غزة ما بعد الهدنة؟ هل تُستبعد مؤسسات فلسطينية (منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية)؟ وكيف سيتعامل السكان مع أي إدارة تُصاغ خارج إرادتهم؟ هذا عامل قد ينسف الاستقرار طويل الأمد إن فُرض دون توافق محلي.
إن إنجاز المرحلة الأولى قد يسمح بعودة نازحين إلى منازلهم (إن كانت صالحة)، ويفتح فرصًا لاستئناف المدارس والخدمات الاجتماعية. لكن الجروح النفسية على مستوى جيل كامل (أطفال وشباب) تتطلب برامج دعم نفسي واجتماعي مدعومة زمنياً ومادياً.
قد تنشأ توترات داخلية ومصادر نزاع جديدة، فإن تبادل الأسرى وإطلاق سراح سجناء قد يثير استياء أو رغبة بالثأر لدى عائلات ضحايا سابقة، وهو خطر انفجار اجتماعي إن لم تقترن آليات عدالة انتقالية أو تسويات محلية تقبلها الأطراف. كما أن إعادة توزيع الموارد (مساعدات، وظائف إعادة إعمار) يمكن أن ينشئ منافسات محلية.
إن لم تُصَغّ خُطوات المصالحة المحلية بعناية (شمولية، عدالة، مشاركة نسوية وشبابية)، فستظل الندوب الاجتماعية سيئة ومورداً للغضب السياسي لاحقًا. وستكون برامج التعليم والوظائف للشباب حاسمة لوقف إدامة العنف.
5- البعد الاقتصادي
تحتاج إعادة إعمار غزة إلى موارد هائلة (بنية تحتية، مساكن، مرافق صحية وتعليمية). والتزام دولي. وشفافية في العقود والمشتريات ضروريان لضمان وصول الفائدة لسكان غزة وعدم تحويلها إلى مشاريع سيطرة اقتصادية أو لوبيات فاسدة.
وتحتاج إلى فرص العمل والاقتصاد المحلي، ويمكن لفتح المعابر وعودة التجارة والخدمات أن يعيد أعمالًا صغيرة ويخلق وظائف في بناء وإصلاح الخدمات. لكن الاعتماد الكلي على استثمارات خارجية مع قيود أمنية أو إدارية قد يخلق اقتصادًا غير متوازن يعتمد على مساعدات دائمة بدل تنمية ذاتية.
إن بعض مقترحات الخطة تشير إلى «نماذج تنموية» مستوحاة من مدن خليجية/عربية. لأن دخول استثمار أجنبي كبير يتطلب ضمانات أمنية وسياسية؛ وإن شروطاً مثل «خفض السلاح» أو إشراف أجنبي قد تثير جدلًا حول السيادة وتوزيع المنافع. وإدارة هذه العلاقة بوضوح وشفافية هو أمر محوري.
6- مخاطر التنفيذ والسيناريوهات المحتملة
إن أسوأ السيناريوهات هو فشل تنفيذ بنود أساسية (انسحاب القوات بشكل آمن، وصول مساعدات بلا عراقيل، التزامات دولية بالإعمار) قد يعيد اندلاع القتال أو يؤدي لاحتقان سياسي داخلي. كذلك، إساءة توزيع المساعدات أو الفساد في عقود الإعمار ستقوّي الأزمات الاجتماعية.
ويبقى السيناريو الأفضل هو تنفيذ فوري وشفاف للمرحلة الأولى (وقف قتال فعّال، إطلاق أسرى آمن، تدفق مساعدات، خطة إعمار مُموَّلة دولياً مع مشاركة فلسطينية حقيقية) يمهّد لانتعاش إنساني واقتصادي ويفتح طريقًا للتفاوض على قضايا كبرى (حكم غزة، ترتيبات أمنية، حقوق اللاجئين).
ويتحقق ذلك من خلال ضمان إنساني فوري بفتح ممرات إنسانية محمية تحت إشراف دولي/أممي لفترة محددة لضمان إيصال الغذاء والدواء والمولدات والمياه.
ومن خلال آليات رقابة وشفافية، وذلك بتشكيل لجنة دولية/محلية لمراقبة تنفيذ بنود الانسحاب وتوزيع المساعدات، ونشر تقارير دورية.
وبرامج تعافي نفسي واجتماعي، بتخصيص تمويل طويل الأمد لدعم الصحة النفسية والتعليم وإعادة دمج الأطفال والشباب في مدارس ومشروعات تشغيل.
ووضع خارطة طريق سياسية، تمهد لفتح مسار تفاوضي متزامن حول حكم غزة ومستقبل العمل المسلح، مع مشاركة فلسطينية واسعة ووجود وسطاء موثوقين من المنطقة والدول الكبرى.