نظام التفاهة.. يهدد وجودنا!
د. محمد سيد أحمد
هذا هو ما يوضحه الدكتور آلان دونو في كتابه نظام التفاهة، الذي ترجمته للعربية الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري، حيث يصف التفاهة كنظام يسيطر على الانتباه الجمعي ويحوّل المجتمع العربي إلى متلقٍ سطحي لا يفكر إلا فيما يسلّيه.
الواقع العربي اليوم هو صورة طبق الأصل لما وصفه آلان دونو.. الجماهير منشغلة بمحتوى تافه على مواقع التواصل، بينما تُرسم الخرائط الاستراتيجية للمنطقة بلا وعي أو نقاش شعبي. وتأتي في مقدمة هذه المخاطر مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، الذي يهدف من خلاله العدو الأمريكي إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحه، ويهمل الأمن القومي العربي.
وفي الوقت نفسه، يظل مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات حقيقة سياسية وعسكرية تهدد وجود الدول العربية بأكملها، ولكن الوعي الجماهيري العربي بهذه المشاريع يكاد يكون معدومًا، بسبب الغرق في التفاهة والسطحية.
آلان دونو يوضح أن التفاهة ليست مجرد مضيعة للوقت، بل خطر استراتيجي على الوعي الجمعي. فالسطحيات الجاذبة للنظر تخفي العمق الحقيقي، وتجعل الجماهير عاجزة عن التمييز بين ما يهمها حقًا وما يلهيها فقط. في العالم العربي، نرى ذلك في انشغال جزء كبير من الشباب بالقفز على التحديات، الفيديوهات الطريفة، والمواضيع التافهة، بينما العدوان على غزة أو المخططات الاستراتيجية الكبرى تمرّ بلا نقاش جاد، ويصبح الكثيرون مجرد متفرجين عاجزين أمام ما يحدث.
ويضيف آلان دونو أن الاقتصاد الرمزي للانتباه السطحي يعزز من تفشي الظاهرة: فالشهرة والمتابعة تصبح أهم من المحتوى والمضمون. المؤثرون الذين يحققون آلاف المشاهدات عبر محتوى تافه يتصدرون المشهد، بينما التحليلات الجادة، الدراسات، والنقاشات السياسية العميقة حول مستقبل المنطقة لا تلقى أي اهتمام. وهكذا، يتحول المجتمع إلى جمهور مشتت ومسلّى، بينما المشاريع التي تهدد الوجود العربي تتقدم بلا مقاومة.
التفاهة لا تتوقف عند الإعلام الرقمي فقط، بل تتغلغل في التعليم والثقافة الشعبية. الاهتمام بالمظاهر ونتائج النجاح السطحية يحل محل النقد والتحليل، ويجعل الشباب أقل قدرة على فهم المخاطر الكبرى التي تهدد مجتمعاتهم. وهذا يفسر جزئيًا لماذا تبقى المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط أو مشروع إسرائيل الكبرى، خارج دائرة النقاش الشعبي.
والمثير للقلق أن هذه السطحية تعزز الفردية المفرطة وانعدام الوعي الاستراتيجي. بدل أن يكون المجتمع العربي متماسكًا وقادرًا على التحليل والمواجهة، يصبح مجرد متفرج سلبي على الأحداث، عاجز عن حماية مصالحه، بينما تُرسم القرارات على أعلى المستويات الدولية بلا مقاومة فعلية.
قراءة هذا الكتاب تدعونا إلى الانتباه، إعادة ترتيب الأولويات، ومقاومة التفاهة، ليكون وعينا الجمعي حاضرًا، قادرًا على النقد، التحليل، والمواجهة قبل فوات الأوان، اللهم بلغت اللهم فاشهد.