الضمان الوحيد هو الحرية
عدنان بدر حلو
ما جرى ويجري حاليا في سوريا يختلف عن كل ما جرى في تاريخها المعاصر من تغييرات انقلابية. ففي جميع الأحداث السابقة كان التغيير يتم من داخل مؤسسة الدولة حيث تقوم الجهة الفاعلة بالانقلاب للاستيلاء على السلطة والإمساك بزمام مفاتيحها العسكرية والمدنية دون إحداث تغييرات كبيرة إلا في سياق حفظ السيطرة على تلك المفاتيح.... وبالتالي السيطرة على الدولة وعلى الوطن.
ما جرى ويجري الآن مختلف كليا حيث تم الاستيلاء على الدولة من خارج أجهزتها، وفي ظروف مختلفة أيضا حيث الوطن ممزق والدولة فاسدة والسلطة منهارة!
هذا الوضع المختلف وغير الطبيعي فرض سلوكا مختلفا وغير طبيعي تم التعبير عنه بشعار "من يحرر يقرر". فقد وجد "المحررون" أن عليهم الشروع بالبناء من الصفر: لا جيش جاهزا ليبنوا عليه سلطتهم ولا دولة متماسكة لتديرها تلك السلطة ولا وطن موحدا تمتد سلطتهم على كامل خارطته!
في هذا المناخ كانت وسيلتهم الوحيدة هي الاعتماد على الذات لتأسيس سلطة متماسكة تقوم ببناء دولة من الصفر موزعة على خارطة وطنية ممزقة! وأي خيار آخر في ظل هذه المعطيات كان سيشكل خطرا عليهم وعلى مشروعهم سبق أن رأوا أشباها له في كل من مصر وليبيا والسودان!
هل يعني ذلك أن سعي هذه السلطة الجديدة المتمتعة برصيد تاريخي كبير هو الإطاحة بنظام القهر والاستبداد (وحتى الخيانة) سيقود بالضرورة إلى بناء نظام استبدادي جديد؟
ما من شك في أن ثمة ظواهر كثيرة تشير إلى أرجحية هذا الاحتمال سواء بالبناء السلطوي للإدارة الانتقالية الجديدة وما قامت عليه من أسس قانونية وإدارية شديدة المركزية والمدة الطويلة التي منحتها لنفسها.
لكن هذه الأرجحية ليست أمرا حتميا، فالمسؤولون في هذه السلطة يدركون بتجربتهم المباشرة أن الاستبداد لا يشكل ضمانا للسلطة مهما تضخمت صلاحياته وانتفخت أدوات قمعه، وخير دليل هو ما جرى للنظام السابق الذي أمسك برقاب البلاد والعباد لأكثر من نصف قرن ليتهاوى وتذروه الرياح بأسرع من لمح البصر.
كما أن تجربة الأشهر السبعة تكشف للقائمين على الأمور أن ثمة فارقا كبيرا وبالغ الأهمية بين الترحيب الشعبي العارم ب"المحرر" وهو ترحيب مصدره العداء للنظام السابق، وبين التأييد ل"المقرر" الذي يراكمه هذا المحرر على ضوء إدارته لشؤون البلاد بعد التحرير..
الضامن الفصل في هذا المجال هو الحرية.. فهي وحدها التي تقنع المواطن بأن الحاكم الجديد قد اضطر لاستعارة هذه السلطة المركزية في الفترة الانتقالية من أجل ضمان أمن عملية بناء المرحلة الجديدة وصولا إلى الحكم الرشيد المأمول، وليس من أجل التأسيس لنظام استبدادي جديد.
نعم إنها الحرية التي يجب أن تكون متاحة للشعب كله، ما يشكل مناخا من الثقة بين الحاكم والمحكوم، فمقابل حرية الحاكم في إدارة الشأن العام خلال الفترة الانتقالية توفر الحرية للمواطن سلطة الرقابة والتصحيح فيتشارك الطرفان في البناء بكل ثقة على طريق الوصول في نهاية الفترة الانتقالية إلى الحكم الرشيد والديمقراطي المأمول.
إن عهدا صريحا (حتى لا نقول مقدسا) بين الفريقين قوامه التعاقد على الحرية هو المعادلة الذهبية لضمان الأمن والوفاق في هذه الفترة الانتقالية وفي هذه الظروف الخطيرة بل المصيرية التي تمر بها البلاد والمنطقة برمتها.