ترويض العرب.. كيف تحول التخلي عن القضية الفلسطينية إلى "قرار وطني"!

عدنان بدر الحلو

الجديد فيما يجري الآن على صعيد المنطقة بالنسبة للقضية الفلسطينية، ليس أن الأنظمة العربية قد تخلت عنها وعن شعبها، وتجلى ذلك أكثر ما تجلى في المواقف مما جرى ويجري في قطاع غزة، بل أكثر من ذلك أن هذا الذي يحدث ويثير أصداء غاضبة في أربعة أرجاء المعمورة، لم يعد يحرك ساكنا في الشارع العربي!
بل أكثر من ذلك، تحول "التطبيع" مع العدو الصهيوني في هذه الفترة بالذات إلى مطلب عربي يجري تناوله رسميا وحتى شعبيا بمنتهى البساطة كأي صفقة تجارية عادية بين دول صديقة ليس بينها أي خلاف!
لقد بات الموقف سورياليا إلى درجة لا تصدق بين الابتهاج الرسمي والشعبي باستقبال الرسول الأمريكي إلى سورية توماس باراك في دمشق قبل أيام، وبين زمن الخمسينيات عندما مرت في سماء سورية عام 1955 طائرة تحمل مبعوثا أمريكيا إلى العراق، فانفجرت التظاهرات الشعبية في جميع المدن وحتى القرى وهي تهتف: "عد إلى بلادك يا راونتري"!
طبعا لا يتوقف الأمر الآن على سورية وحدها، بل على العالم العربي كله!
كيف حدث هذا التغيير الذي لم يولد فجأة، ولا هو وليد التطورات التي حدثت في المنطقة بعد "طوفان الأقصى" وما جرى خلالها من تغييرات عاصفة في أكثر من مكان، وخاصة في فلسطين ولبنان وسورية، بل هو نتيجة مخطط بطيء ومتدرج رافق القضية الفلسطينية في جميع مراحلها وصولا إلى ما نحن فيه الآن..
رغم كل البؤس الذي كان يعاني منه العرب في مطلع القرن العشرين كانت طلائعهم المثقفة تحذر من الهجرة والاستيطان الصهيونيين في فلسطين.. لاسيما بعد ثورة أكتوبر في روسيا وما كشفته من خفايا اتفاقات الاستيلاء الفرنسي البريطاني على بلاد الشام وخاصة وعد بلفور المشؤوم. حتى إذا بدأت الصدامات بين العرب والصهاينة منتصف العشرينات تعامل العرب في جميع بلدانهم مع القضية الفلسطينية على أنها القضية العربية المركزية، وقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى خلال ثورة 1936التي تقاطر عليها المتطوعون من معظم الأصقاع العربية. وما تزال الأجيال الفلسطينية تتناول بما يشبه القداسة ذكرى الشيخ السوري عز الدين القسام الذي التحق مع مجموعة من رفاقه بتلك الثورة وقاتل حتى الاستشهاد وما يزال ضريحه فوق الثرى الفلسطيني شاهدا على ذلك.
ثم كانت حرب 1948. ورغم أن بلدانا عربية قليلة كانت قد نالت استقلالها قبل سنتين أو ثلاثة (سورية ولبنان) كانت البلدان الأخرى ماتزال إما محتلة احتلالا مباشرا كما في بلدان المغرب العربي وجنوب الجزيرة العربية والخليج وإما تتمتع باستقلال صوري تحت مظلة السيطرة البريطانية كما في مصر والأردن والعراق. رغم ذلك كله لم تستطع هذه الدول (بغض النظر عن الأدوار التي لعبتها في الحرب) إلا أن تشارك فيها تحت ضغط شعوبها وبعد أن كانت أعداد كبيرة من المتطوعين العرب من مصر وسورية ولبنان والعراق وحتى من شمال أفريقيا، قد سبقتها إلى الانخراط فيها. حتى أن عددا كبيرا من ضباط وجنود الجيش السوري الناشئ كانوا قد تركوا ثكناتهم وهرعوا ليقودوا المعارك تحت اسم "جيش الإنقاذ" بقيادة ابن طرابلس في لبنان فوزي القاوقجي وكان بين المتطوعين السوريين نواب من البرلمان (أكرم الحوراني والدكتور عبد السلام العجيلي وغالب عياشي).
وعلى ارض فلسطين وفي خضم هذا التفاعل النضالي والاندماج بين الطلائع العربية المنخرطة في ساحات القتال في فلسطين كانت موجة جديدة وقوية من الشعور القومي العربي تتوالد وتنتشر في الأرجاء العربية لاسيما الأقطار المحيطة بفلسطين (مصر وسورية ولبنان والأردن والعراق).
وإذا كان تخلف الحكومات وخضوع معظمها للنفوذ الاستعماري الغربي قد أسهم في صناعة الهزيمة، فإن أصداء تلك الأدوار قد تفجرت غضبا في معظم تلك البلدان. وهو الغضب الذي سارعت القوى الغربية النافذة إلى استغلاله واستثماره في انقلابات عسكرية تحمل أسلافها من الحكام مسؤولية الهزيمة وترفع قضية فلسطين وتحريرها شعارات تدغدغ بها مشاعر الجماهير.
وبالرغم من وجود بعض الضباط من ذوي النوايا الوطنية الطيبة في تلك الانقلابات، فإن الطبيعة العسكرية
للأنظمة التي أقامها الانقلابيون كانت تحمل في طياتها ثلاثة مقاتل:
1- الديكتاتورية بكل ما نتج عنها من تهميش لدور الشعب وتجريده من أي قدرة على لعب دوره السياسي الأساس في تحقيق أي نهوض وطني أو تقدمي حقيقيين، وحتى في توفير حماية للنظام الوطني نفسه!
2- ما يفرضه الاستبداد من عتمة على البناء الوطني للدولة، وما ينجم عنه من انعدام للشفافية ومناخات فساد توفر فرصا لتغلغل النفوذ الخارجي.
3- وفي غياب الحماية الشعبية والوطنية للدولة، يجد النافذون في الحكم لدى القوى الخارجية النافذة مرتعا للشراكة ومصدرا للحماية!
في مثل هذه الأجواء لا يجد الاستبداد ما يستر به عوراته سوى الشعارات الطنانة وفي مقدمته بالتأكيد قضية فلسطين، وهذا ما تكشفت حقائقه في كارثة 1967.
وإذا كانت هزيمة حزيران التي ولدت منها المرحلة الجديدة للثورة الفلسطينية قد شكلت خطرا على بقاء الأنظمة المهزومة ومعاقبتها من شعوبها، فإن هذه الأخيرة سرعان ما هرعت (للاحتماء منها بها) إذ راحت تقيم الاحتفالات بميلاد مرحلة جديدة "يقبض فيها الشعب الفلسطيني على قضيته"! وكان الهم الأول والأخير "فلسطنة الثورة" وقطع دابر أي احتمال لتحولها إلى ثورة عربية تحمل هؤلاء الحكام مسؤولياتهم عن الهزيمة. بل أكثر من ذلك راحوا يتآمرون عليها في السر والعلن حتى تم تفتيتها وتشتيتها في أقاصي البلدان العربية!
وفي هذه الأثناء كانت الأنظمة تواصل الحرب الوحيدة الحقيقية التي تخوضها وهي الحرب ضد شعوبها! إلى أن وصلت إلى أقصى مدى من العنف والوحشية البربرية فيما عرف ب "الربيع العربي" الذي اختنق ما بين "الحدب" المسموم من قبل الجهات الخارجية وبين التوحش غير المحدود من قبل النظام الاستبدادي الذي دمر المدن والبلدات والقرى على رؤوس أهلها دافعا بالملايين إلى منافي الهجرة واللجوء في ظروف غير إنسانية على الإطلاق.. مع العلم أن أمور الذين لم يهاجروا أو لم يتمكنوا من الهجرة لم تكن أفضل بكثير إذ ألقت عليهم ظروف الحرب والاستبداد والفساد بأعباء خرافية لا تقل أبدا عما كان المشردون يعيشونه في مخيمات البؤس التي لجأوا إليها.
في هذه الأجواء حصل "طوفان الأقصى" الذي أجج حربا إسرائيلية بربرية على قطاع غزة تعرض في سياقها "حزب الله" في لبنان لنكسات كارثية، وحصل على هامشها انهيار النظام السوري واضمحلال النفوذ الإيراني في المنطقة، وكانت النتيجة هي أن المنطقة كلها قد انفتحت على مصراعيها أمام حضور أمريكي مرحب به ولا وجود لأي معارضة له على امتداد الساحة العربية!
في ظل هذا الوضع الجديد وكنتيجة لكل ما تعرضت له قضية فلسطين في المسار الذي عرضناه، كان طبيعيا جدا أن يضمحل إلى حدود كبيرة ما كان لهذه القضية من اهتمام وقدسية لدى هذه الشعوب التي تنوء تحت أعباء ما راكمته عقود الاستبداد والفساد على أكتافها من مظالم لا يحدها خيال!
وتحول عالمنا العربي إلى سماء سائبة يجوبها الطيران الإسرائيلي متى يشاء وكيفما يشاء، وبين أرض مفتوحة للنفوذ الأمريكي الذي يتمتع فها بكل الترحيب "من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر"!