قراءة في خلفيات الحراك الدولي من أجل غزة وإنهاء الحرب!
أحمد الحاج طاهر
حراك دولي ثقيل مناهض للحكومة الإسرائيلية ردًا على توسيع العمليات والمجاعة، وهو حراك مشابه لذلك الحراك الذي اشتد وقت تهديد الاحتلال بدخول رفح، التي دخلها واحتلها وعزلها ودمّر 80 % منها على مدار عام كامل ولا زال مستمرًا بعمليات التدمير الممنهج وليس فقط في رفح، الحراك الدولي يشكل ضغطاً مزعجاً وهو شيء مطلوب، ولكنه لا يؤدي لمنع إسرائيل من تنفيذ مخططاتها ولا يمكن الاعتماد عليه في أن ننتظر نتائج ملموسة منه، الحراك الدولي يمكن استثماره لتحقيق نتائج فقط في حال توقفت الحرب، حينها يمكن تحقيق العديد من المكتسبات من خلال إيمان العالم بمظلوميتنا وحقوقنا.
تصريحات منسوبة للإدارة الأمريكية بأنها ستعطي إسرائيل مهلة لإنهاء الحرب تذكرنا بما قيل عن إدارة بايدن في شهر ديسمبر 2023، حيث كان يقال بأن بايدن سيطلب جدولًا زمنيًا لإنهاء الحرب، واتضح أن كل هذه الأنباء لم تؤد سوى لحقّننا ببعض إبر البنج التي أعطت لإسرائيل الوقت الطويل لاستكمال تدمير قطاع غزة، وربما لو قرأنا المشهد بشكل صحيح من البداية بوجود إجماع على عدم منع إسرائيل من فعل ما يحلو لها حتى آخر الخط لاختلفت التوجهات تمامًا، ادارة ترامب تضغط على إسرائيل فعلًا، ولكن ليس لذلك المدى الذي يخرج إسرائيل من الحرب بدون أن تحقق أهدافها، وقد أوضح ذلك ويتكوف من الجانب الأمريكي، وأوضحه متحدث باسم نتنياهو حين حدد الحد الأدنى الذي تقبل إسرائيل بإنهاء الحرب مقابله وهو استعادة الأسرى وتجريد غزة من السلاح وإبعاد حماس، وربما الضغط الأمريكي الأكبر خلف الكواليس يدعو إسرائيل للحسم لا للتنازل، لأن المخططات التي يعمل بها الجيش اليوم في غزة هي الأصعب على الإطلاق وهي الأكثر حسمًا وتأثيرًا، وبذخيرة متجددة من إدارة ترامب وبغطاء سياسي أمريكي واضح، وبتنسيق أمريكي حتى في ملف المساعدات الإنسانية التي تعطي شرعية دولية لاستمرار الحرب، يجب أن يكون ذلك واضحًا.
من الأشياء التي تدفعنا للفشل في قراءة المشهد هو سوء تقدير العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، مهما كانت مصالح ترامب تتعارض مع حكومة نتنياهو، فإن ترامب وإدارته وأي إدارة أمريكية أخرى لن يسمحوا بانكسار إسرائيل، ليس لأنهم صهاينة وما شابه، بل لأن إسرائيل ليست مجرد حليف أمريكي بل قدمهم المتقدمة في الشرق الأوسط وصورتهم الإستعمارية التي تُخضع الشرق الأوسط برمته للهيمنة الأمريكية، وأي انكسار لإسرائيل هو انكسار للولايات المتحدة الأمريكية وتراجع لهيمنتها على الشرق الأوسط، لذلك كل رئيس أمريكي تجده يلتزم بحماية أمن إسرائيل ومدها بكل ما تحتاجه لتحقق المزيد من التفوق في الشرق الأوسط، ويؤكد بحقها في الدفاع عن نفسها بلا قيود، هذا هو الخط الأحمر بالنسبة للأمريكيين، وما بعد ذلك الخط الأحمر يمكن للعرب والفلسطينيين أن يحققوا الكثير من المكتسبات من إدارة ترامب بالتحديد، بسبب مشاريعه الكبرى في الشرق الأوسط التي تستلزم وجود استقرار، وبسبب رغبته بإنهاء الحروب.
مكتب نتنياهو يؤكد موافقة إسرائيل على آخر مقترح قدمه ويتكوف وفي المقابل رفض حماس له، وهذا يؤكد مجددًا بأن ويتكوف والإدارة الأمريكية لا يقدمون المقترحات إلّا بما يتساوق مع المتطلبات الإسرائيلية، وكل المقترحات التي يقدمونها تدور في الفلك نفسه، صفقة جزئية لا تؤدي لوقف الحرب، أو صفقة شاملة تنهي الحرب وتحقق الأهداف الإسرائيلية على حد سواء.
تحاول الدول الأوروبية النكاية بالولايات المتحدة الأمريكية بسبب موقف الإدارة الأمريكية من أوكرانيا، وذلك من خلال اتخاذ مواقف متشددة تجاه ملف قطاع غزة والانتهاكات الإسرائيلية، لطالما لعب الغرب على تناقضاتنا، ومن الجيد والجميل بأن نلعب أيضًا على تناقضاتهم على مختلف المستويات، ولكن دون أن نرفع السقف أكثر من اللازم، ويجب أن تكون توقعاتنا منطقية وأن تكون أهدافنا المرجوة من الحراك الأوروبي أهدافًا قابلة للتطبيق وضمن سياقها المحتمل، الحراك الأوروبي لن يوقف الحرب ولكنه سيسمح بتدفق أكبر للمساعدات، الحراك الأوروبي لن يؤدي لمشكلة في الإمداد العسكري لإسرائيل ولكنه سيزيد من عزلتها، الحراك الأوروبي سيضعف الرواية الإسرائيلية ولكنه لن ينحاز للرواية الفلسطينية بشكل كامل، وأهم ما في الأمر أن الحراك الأوروبي سيمهد الطريق لتأييد دولي واسع للفلسطينيين في اليوم التالي للحرب على المستوى الشعبي والرسمي وهذا كافي جدًا من طرف مثل الأوروبيين بالنسبة لنا.