لماذا إستهدف العلويون والدروز؟!
د. عبد الوهاب أسعد
قبل الدخول في قراءة الأحداث السياسية الحربية الجارية، فالموضوع لا علاقة له بالطائفية (وأنا سوري علمي علماني، والموضوع لا علاقة له بالعقائد الدينية مع أني أحترم عقائد الإنسان جميعها، وأنا من أبعد الناس عن النكش في زبالات الطائفية) ولكني إضطررت لإستخدام هاتين الكلمتين الطائفيتين لشرح الموضوع بشكل واقعي.
منذ إكتشاف البترول في المنطقة العربية ووقوعه تحت السيطرة البريطانية، ومن بعد الحرب العالمية الثانية إنتقلت السيطرة لأمريكا. ومنذ ذلك اليوم وكل من حاول الخروج عن أو بمعزل عن السيطرة الأمريكية على البترول (العربي) فقد جرت تصفيته وفي أحسن الأحوال جرى إستبداله وتغييبه عن مسرح الأحداث. وهذا الأمر سوف يستمر طالما أن للبترول أهميته، وطالما أن أمريكا تسيطر على مقاليد الأمور. قدمت هذا المثال للإنتقال إلى مثال حالي أوضح.
من بعد فشل نابوليون في حملته على مصر وجنوب سوريا، ومن بعد عودته إلى فرنسا فكر وبدأ بالعمل لإنشاء كيان موال للغرب يفصل ما بين وادي النيل وبلاد الشام ومنع قيام قوة مستقلة قادرة على منافسة الغرب. ومن بعد تسلم بريطانيا زعامة الغرب الأوروبي بدأت هي الأخرى بمواصلة هذه المساعي، ومن بعد الحرب العالمية الثانية نجحت بإقامة دولة الكيان ومن منطلق (لا تتحقق سعادة الغرب إلا من حساب تعاسة الشرق) هذه المقولة مازالت تحكم أسلوب تصرفات الغرب تجاه الشرق (العربي)!
حماقات وصبيانية وجهل وفساد وعمالة أنظمة الحكم العربية ساهمت كثيرا بنجاح خطط الغزو الغربية والتي صبت جميعها بجعل الكيان المصطنع القوة الوازنة ولاحقا المسيطرة في المنطقة، وجميع ما حصل أو قد يحصل من عمليات غزو أو تغيير أنظمة سياسية هدفه الأول مصلحة الكيان. وأولى حملات الغزو وتدمير مظاهر القوة (التكنولوجية والعسكرية والإقتصادية) كانت غزو العراق. ومن بعدها جرى إستبدال إستراتيجية الغزو المباشر إلى إستخدام الميليشيات الدينية لتقوم بالنيابة بالأعمال الموكلة لها. وبوشر بما أسمي بربيع العربان.
كان ربيع العربان مدروسا علميا بدقة هائلة جدا، وقد فصلت خطط الغزو بمنتهى الذكاء والحرفية. حتى أن إستخدام المفردات والشعارات والشائعات جرى تصنيعها وفبركتها بما يناسب كل منطقة ومرحلة، وساعد في ذلك جيوش من العملاء والفاسدين. ولأول مرة جرى إستخدام الدين والإعلام كسلاح حاسم فعال في المعارك. وكانت مهمات الأدوات المحلية التنفيذ فقط. وربما كانت عملية إسقاط ما أسمي بمحور المقاومة من أكبر العمليات الأمنية المخابراتية الإعلامية الحربية في تاريخ الحروب!
في الثمانينات جرت معركة جوية فوق لبنان خسر فيها سلاح الجو السوري ما يقارب ربع قدراته الحربية، حاولت سوريا تعويض الخسارة من روسيا، ومن ثم توجهت إلى كوريا الشمالية، وتمكنت بذلك من التوصل إلى ما أسمي بمعادلة الردع (بالإمكان العودة إلى كتاب باتريك سيل). ولكن وفي أثناء الحرب الأهلية المشؤومة وبصبيانية القيادة السورية وبغدر ما أسمي بالحلفاء جرى تحييد قسم لا يستهان به من السلاح الإستراتيجي والذي أخل بتوازن الردع إلى حد كبير!
وبالعودة إلى العنوان نرى أنه ومن بعد إنقلاب البعث في عام ١٩٦٣ وتسلمه السلطة جرى الإعتماد على أبناء الأرياف السورية في مؤسسات الدولة وخصوصا الجيش. (أبناء المدن الكبرى دمشق وحلب خصوصا لا حاجة لهم بالتطوع والخدمة في الجيش كمورد رزق ومعيشة). دفع الفقر بشكل أساسي أبناء الريف في الساحل وحوران ودير الزور إلى الخدمة في الجيش كمصدر معيشة، وأصبحوا القوة المقاتلة المدربة الوازنة في الجيش السوري (تذكروا من تمكن من تحرير ورفع العلم السوري في قمة جبل الشيخ في تشرين من عام ١٩٧٣)!
نجحت العملية الأمنية المخابراتية الإعلامية الحربية إضافة إلى العمالة والفساد بإنهاء ما أسمي بمحور المقاومة، وكان للحليف الروسي الدور الوازن في إنهاء الجيش وذلك من خلال سيطرته على قيادة الأركان وإدارة العمليات الحربية ومن ثم التهيئة لتدمير سلاحه الإستراتيجي الذي كان مجهزا للردع. وهنا لا يفوتني التذكير بمقولة هيكل التاريخية (ما خسرت الجيوش العربية معركة إلا من خلال خيانة قياداتها)! حزني كبير على إنهاء الجيش حامي ودرع ورمز الإرادة السورية.
مهاجمة العلويين والدروز ليس بسبب العقيدة الدينية (وأن كان الرعاع يستخدمون شعارات في هذا الإتجاه) ولكن من يدير ويوجه وبخبث ودهاء مقصده القضاء أو تحييد القوة الحربية المدربة المقاتلة عند العلويين والدروز، والرعاع الجهلة إستخدموا للتنفيذ وربما لا يدرون نتائج ما يفعلونه!
وعلى كل حال إنتهى عصر فساد أنهك البلد والعباد، ولكن ومع الأسف الشديد ضاعت القدرات الحربية الدفاعية ودمر الإقتصاد، وتمزقت الناس شيعا وطائفية. واليوم جاء واجب السوريين العقلاء وخصوصا من أهلنا السنة الذين كانوا على مر التاريخ عماد وساموك الوطن وعليهم خاصة عبء التقليل من الخسارة ورأب الصدع والمحافظة على بقية وطن، والإمكانية مازالت متوفرة، وعلى الرغم من الجراح العميقة الفاغرة فإن بقية طيبة متوارثة كفيلة بإنجاح عملية الإنقاذ، وبتقديري فإن أفضل الحلول هو الإدارة الجماعية والفدرلة المناطقية..
عقلاء السنة حياكم الله، هذا يومكم لإنقاذ سوريا الإنسان والأرض والحضارة والتاريخ. وفقنا الله جميعا إلى ما فيه الخير والصلاح. حمى الله سوريا، تحيا سوريتنا المدنية الحضارية.