متى سقطت أسبارطة/ إيران؟
د. عبد الوهاب أسعد
أعداء إيران هم الأتراك والصهاينة وعربان الخليج. وتركيا إردوغان هي المرشحة لتكون رأس الحربة بإسقاط إيران. فما هي تركيا ومن هو إردوغان؟
دخلت القبائل التركية الإسلام السني وتبنت مبكرا عقيدة إبادة الشعوب التي تصادفها. أبادت حضارة بيزنطة الإنسانية المتطورة والتي لعبت فيها سوريا دورا محوريا، ومن ثم أبادت حضارة سوريا نفسها ومع مجازر موثقة تاريخية.
بنهاية الحرب العالمية الأولى قررت القوى الأوروبية (بريطانيا وفرنسا واليونان) تفتيت السلطنة العصملية واجتاحت أراضيها. تصدى لها الجنرال مصطفى كمال ومن بعد مجازر للأرمن والسريان واليونان والعلويين وبمساعدة عسكرية روسية تمكّن من المحافظة على تركيا وتأسيس الجمهورية. علما بأن الأتراك لا يشكلون أكثر من نصف سكان تركيا. وفي بداية الخمسينات إنضمت تركيا لحلف الناتو الغربي الأمريكي وأصبحت مهمتها رأس حربة ضد الإتحاد السوڤييتي وتحقيق مطامع الغرب في العالم العربي الإسلامي. كما أصبحت تركيا الحليف والسند الأساسي لإسرائيل في المنطقة. وحديثا تمكنت تركيا إردوغان من تجميع أكبر قدر من المرتزقة (المجاهدين الإسلاميين) من الأصول التركمانية والعربية وتدمير سوريا، وفي هذه الأيام تتنازع تركيا مع حليفتها إسرائيل لبسط النفوذ والسيطرة على سوريا بإعتبارها جزءا مهما من أراضي السلطنة العصملية (دستور ملة ١٩٢٣).
رجب طيب إردوغان الرئيس التركي المخضرم زعيم الإسلام السياسي السني، يعد وبجدارة أخبث وأدهى السياسيين في العالم. تمكن بمكياڤيلتيه وقساوته من سحق أية معارضة تصدت له. وفي الفترة الأخيرة زج بمنافسه إمام أوغلو في السجن. قامت مظاهرات حاشده تندد به (قبل أيام ظننت خطأ أن أيامه أصبحت معدودة)، ولكن تبيّن أن الأوروبيين بحاجة للجيش التركي ثاني أكبر جيش في الناتو من أجل تنظيم الدفاع عن أوروبا من بعد تهديد الأمريكان بالإنسحاب، وكذلك كي لا يفتح إردوغان بوابات الشيطان عليهم ويقذف بملايين اللاجئين في وجوههم. وكذلك كان ظني أيضا خاطئا في أني قدرت أن الأمريكان ومن بعد نجاح إردوغان بتمزيق سوريا وسحق ما سمي (بمحور المقاومة) قد جرى الإستغناء عن خدماته وعن الإسلام السياسي.
بتقديري - وإذا لم تحدث مفاجآت في الداخل التركي - فإن إردوغان وبحماية أمريكية باق على كرسي العرش وباق كزعيم الإسلام السياسي السني والجائزة الكبرى تحطيم إيران بإنتظاره.
في شمال وغرب إيران وعلى الحدود مع تركيا ربما كان ثلث السكان من أصول آذرية تركمانية، وكذلك يتواجد في غرب تركيا الأكراد (والذين شكّلوا دولة لفترة قصيرة قبل نحو أكثر من قرن من الزمان)، كما أن الأحواز في الجنوب الغربي من إيران تسكنها القبائل العربية الإسلامية السنية. وجميع هذه الموجودات ملعب خصب مناسب للداهية إردوغان، وبإمكانه إستغلال إختلاف المذاهب وصرامة ملالي طهران ووضعهم الإقتصادي الإجتماعي المتردي وخصوصا من بعد الهزيمة المنكرة في سوريا ولبنان. ولذلك وعلى الأغلب إردوغان مستمر في سدة الحكم وربما ينتظر إشارة الهجوم من أمريكا لكي يتوج أعماله السياسية ومن بعدها يمكن إحالته إلى التقاعد أو توريث نظامه السياسي الإسلامي.
من المستحيل أن يفشل الإنسان بأمر ما إلا إذا إرتكب أخطاء فادحة قاتلة. وإيران إرتكبت عددا من الأخطاء القاتلة، من أهمها:
أولا، في عام ١٩٧٩ نجحت ثورة إيران الخمينية الإسلامية وتبنت نظاما دينيا تيوقراطيا متشددا قاسيا إستمر بالمنظومة والوتيرة نفسها حتى يومنا هذا، وذلك ومن دون أي تطوير، ومع تفاقم الأزمات الإقتصادية المجتمعية وتجاهل حاجة الأجيال الصاعدة إلى التواصل مع الحضارة والحياة المجتمعية الحديثة لم يحصل أي تطوير.
ثانيا، من بعد إسقاط أمريكا للنظام السياسي البعثي في العراق تعاظم الوجود الإيراني وسعت إيران وبمشاركة أطراف خارجية إلى الإنتقام من النخبة العراقية وإكتفت إيران بتقاسم النفوذ والمصالح مع أمريكا. في أيام حافظ الأسد كانت العلاقات ما بين سوريا وإيران متوازنة، ولكن وفي أيام الصبي بشار تعاظم النفوذ الإيراني ومن دون السعي لإصلاح الوضع السياسي الإقتصادي المتهالك، لا بل التركيز على جانب التواجد العسكري، وتدريجيا أدى الأمر إلى إرتماء صبي السياسة بشار بأحضان الروس (لنا حديث قادم في هذا الشأن)، وهذا ما عجل بضرب النفوذ الإيراني في المنطقة، وأصاب القلاع الخارجية المدافعة عن نفسها وإيران بمقتل.
ثالثا، تبين من حوادث الإغتيالات للعلماء والقادة السياسيين والعسكريين أن إيران مخترقة أمنيا وعلى مستوى واسع مرعب. وهنا وبالقياس لم أعد أستبعد وجود عملاء في قمة الهرم السياسي الإيراني (كما كانت الحال في سوريا) ساهموا عمدا في تراكم الأخطاء وجعل البلد قابلا للسقوط.
بإعتقادي -ومن بعد سقوط القلاع الخارجية المدافعة عن إيران - فقد أصبحت إيران نفسها مرشحة للسقوط أيضا. وبإعتقادي أن إستخدام الإسلام السياسي السني والثغرات المذهبية العرقية المنوه عنها آنفا، وأن تكليف الخبير إردوغان بالمهمة ومن بعد نجاحه في سوريا، بإعتقادي أن أمر الهجوم على إيران أصبح ممكنا ورهن إشارة الأمريكان. خصوصا وأن إستخدام الدين (سلاح تدمير شامل) في السياسة نتيجته مضمونة وكلفته رخيصة جدا. إيران على صفيح ساخن!