ظهور كرم روسيا فجأة.. لماذا؟!

د. عبد الوهاب أسعد

إستمعت البارحة إلى فديو يقول بأن روسيا قد قدمت عرضا سخيا جدا لحكومة دمشق لمساعدتها في الشؤون الإقتصادية والأمنية وإعادة البناء وما يتبعها لقاء توقيع عقد لمدة خمسين سنة لتواجد القواعد العسكرية الروسية على شواطيء وفي داخل سوريا. ولا أدري مدى صحة هذه المعلومات، حيث أنه لم يصدر شيء رسمي سواء من موسكو أو دمشق، وبحسب المبدأ الشهير (لا يوجد دخان من دون نار) ولكني أرى هذا العرض منطقيا جدا؟!
قبل ما يزيد عن سنتين وعند بدء العمليات الحربية الروسية في أوكرانيا كتبت قائلا (نصبت أمريكا فخا لروسيا في أوكرانيا)، واليوم أضيف بأن هذا الفخ كان لأوروبا وخصوصا ألمانيا أيضا!
في اليومين الأخيرين إستمعت لتصريحات زيلينسكي وهو تقريبا يستجدي وقف إطلاق النار وطلب الدخول بمفاوضات مع روسيا، كما أن ترامب أعرب عن قرب نفاذ صبره من تعنت روسيا وعدم موافقتها على إيقاف الحرب. ومن ذلك كله أستنتج أن المفاوضات ما بين روسيا وأوكرانيا / أمريكا قد بدأت فعلا، ولكنها اليوم ماتزال بلغة السلاح والنيران إلى حين تلبية مطالب روسيا. فما علاقة ذلك بعرض روسيا السخي لحكومة دمشق؟!
أصبحنا نعلم بأن قليل العلم والخبرة بشار الأسد قد سلم عمليا أمر سوريا لروسيا (قيادة الجيش السوري وقواعد عسكرية وسيطرة إقتصادية) وهذه كانت أخطاء قاتلة لبشار وللدولة السورية، وأتمنى لحكومة بلادي سوريا - وبغض النظر عن رأيي الشخصي بها - ألا تكرر مثل هذه الأخطاء بالتعامل مع روسيا أو أي قوة أجنبية أخرى.
كما أصبحنا نعلم أن ما فعلته روسيا في سوريا - ومن دون الدخول بالتفاصيل المعروفة - كان لإرضاء أمريكا / إسرائيل ومن بعدهما تركيا. كما أن الأمر متعلق بإنقاذ روسيا من ورطتها في أوكرايينيا. وسوف تكون المفاوضات مع أوكرايينيا/ أمريكا شاقة إلى حد كبير. وقبل ذلك أرادت روسيا تثبيت أوضاعها في سوريا، علما بأن حكومة دمشق بأمس الحاجة للمساعدة وبأن روسيا كذلك بأمس الحاجة لتواجدها على شواطيء شرقي المتوسط؟!
مساحة روسيا أكبر دولة في العالم، ولكن منافذها البحرية محدودة. لديها ميناء مومارسك على المحيط المتجمد الشمالي على حدود فنلندا، وميناء غالينينغراد/ كونيكسبرغ على بحر البلطيق محاصر من قبل قوات الناتو (كونيكسبرغ ميناء ألماني إقتطعته روسيا في نهاية الحرب العالمية الثانية) وميناء ڤلاديفوستوك في أقصى الشرق على المحيط الهاديء، ومركز الأسطول الروسي في ميناء سيفاستوبول في جزيرة القرم على البحر الأسود، ولكن مضائق البوسفور والدردنيل لم تعد ممرات بحرية دولية بل عادت ملكيتها لتركيا. ولهذه الأسباب الجغرافية مجتمعة فإن الأسطول الروسي بحاجة ماسة جدا لموقع في شرق المتوسط.
إطلعت البارحة على تقرير لجريدة نيويورك تايمز الأمريكية يصف بتفاصيل دقيقة المجازر التي حصلت في الساحل السوري وخصوصا مجزرة بانياس. ومن نافل الحديث أن القوات الروسية المتواجدة على الشاطيء السوري في طرطوس وحميميم كان بإمكانها التدخل...، ولكنها لم تفعل؟!
ليس من الحكمة التذكير بأن العلاقات ما بين الدول تحكمها المصالح، فهذا أمر مفروغ منه. ومن المعروف أيضا بأن الإتفاقيات والعقود والمعاهدات والأحلاف ما بين الدول -وإذا لم توجد مصلحة وقوة وازنة- فهي جميعها لا تساوي الورق المطبوعة عليه.
لا نعلم محتوى الإتفاقيات ما بين سوريا وروسيا في عهد حكم بشار الأسد، ولكننا علمنا كيف تركت روسيا الدولة السورية تنهار وكيف (ضبت) بشار الأسد وأخرجته من سوريا. كما أننا لا نعلم اليوم ما هي ردود أفعال أمريكا/ إسرائيل على عرض روسيا السخي وإستمرار تواجدها على الشواطيء السورية، ولكننا نعلم أن أمريكا لا تقبل بوجود شركاء لها بل بتابعين راضخين.
وفي هذا السياق -وفي حال إتمام الصفقة هذه مع روسيا- أتمنى لحكومة بلادي سوريا ألا تكرر أخطاء الماضي وأن تبقي بيدها ما يجبر الآخرين على الوفاء وتنفيذ ما يمكن الإتفاق عليه!
بإختصار شديد، روسيا اليوم بحاجة ماسة للتخلص من ورطتها في أوكرايينيا وهي كذلك بحاجة ماسة أيضا لتواجدها على شواطيء شرقي المتوسط، والرابط ما بين الأمرين واضح صريح. وهنا أود التذكير بقول صيني (الفيلسوف يدرك الأمور من نفسه، والعاقل يستفيد من تجارب غيره، وأما الإنسان العادي فهو يتعلم من تجربته الشخصية). حمى الله سوريا.