المأزق الإسرائيلي معضلة أمريكية
عدنان بدر حلو- فينكس
ما من شك في أن ما تواجهه إسرائيل في الشهر التاسع من هذه الحرب يشكل مأزقا وجوديا، كان ثمة في الكيان الصهيوني وخارجه من يعتقد أن دخول رفح سيمكنها من معالجته عن طريق تحقيق "النصر المطلق"! بتطهير قطاع غزة كاملا من المقاتلين الفلسطينيين واستعادة الأسرى (حتى ولو لم يكونوا على قيد الحياة).. فمثل هذه النهاية هي وحدها التي يمكن أن تعيد بناء "الصورة الردعية" التي كانت تتمتع بها قبل السابع من تشرين الأول، على كل الصعد الداخلية والإقليمية والدولية. وهذا ما كان يردده نتنياهو باستمرار لا باعتباره العلاج الشافي للكيان من مضاعفات هذه الحرب غير المسبوقة في تاريخها، بل قبل ذلك باعتباره طوق النجاة الشخصي والسياسي لرئيس الوزراء الذي بات مصيره معلقا كليا على الأمل (مهما كان ضئيلا) بمثل هذه النهاية.
ومن الجدير بالذكر أن السابع من أكتوبر قد حصل بالضبط في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل على وشك تولي زمام الأمور في المنطقة كلها.. فبعد ما جرى من تدمير في العراق وسورية وليبيا واليمن والسودان، بالتوافق مع امتداد شبكة التطبيع من المركز (مصر والأردن والسلطة الفلسطينية) إلى المحيط (البحرين والإمارات والمغرب والسودان والإقليمين الكرديين في العراق وسورية، وكانت السعودية على وشك) وتسابق هذه الكيانات على طلب رضى الكيان الصهيوني وحمايته، كانت الولايات المتحدة قد بدأت بتوكيل إسرائيل على المنطقة كراعية وحامية لمصالحها فيها توافقا مع انتقال القوات الأمريكية شرقا للمواجهة مع الصين. ومع هذه التطورات كان الحلم الصهيوني بالتوسع من النيل إلى الفرات قد بات على مرمى البصر. وهذا ما كان قد وضع طموحات نتنياهو على مرمى التناطح مع كبار قادة وحتى أنبياء وقديسي التاريخ اليهودي من موسى إلى بن غوريون.
بين هذا الحلم الموشك على التحقيق وبين الفشل في الحرب على غزة وما يختبئ وراءه من مصير (النهاية السوداء للحياة السياسية وربما الدخول إلى السجن) كان طبيعيا أن يضرب نتنياهو عرض الحائط بالكثير من التحذيرات التي أطلقها كبار القادة العسكريين السابقين وعدد من القادة السياسيين الإسرائيليين، ونصائح المسؤولين الأمريكيين (الشركاء الأساس في هذه الحرب) وغيرهم من حلفاء الكيان الصهيوني وأصدقائه على الصعيد العالمي، ويصر هو وزمرته على اجتياح رفح..
والملفت أن إقدام القوات الإسرائيلية على هذه الخطوة المصيرية، قد تم بعد أن كان قد تأكد لجميع المتابعين أن اجتياح رفح لن يكون أفضل من جميع الاجتياحات التي حصلت في المناطق الأخرى من قطاع غزة واضطرت القوات الإسرائيلية لتكرارها عدة مرات دون أن تحقق اجتثاث القوة الفلسطينية في أية منطقة منها حيث ما تزال حتى الآن تشكل مصادر لنزيف غير محدود للجيش الإسرائيلي عدة وعتادا.. وهذا ما أثبتته تطورات الحرب بعد مرور قرابة الشهر على بداية هذا الاجتياح، الذي كان من الواضح أن حركة حماس ومعها المنظمات الفلسطينية الأخرى قد استعدت له بمثل ما كانت القوات الإسرائيلية قد فعلت على اعتبار أنه سيكون المعركة الحاسمة في هذه الحرب.
هذا الواقع هو ما جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي يرفض كل ما عرض من مشاريع لتسوية تتضمن وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمعتقلين، بما في ذلك مشروع الرئيس بايدن وقرار مجلس الأمن الذي بني عليه. وبلغ درجة بالغة التطرف في هذا الرفض على الرغم مما يواجهه من ضغوط داخلية من أوساط واسعة (أهالي المخطوفين ومعظم قادة المعارضة وكبار الجنرالات السابقين وحتى الحلفاء في مجلس الحرب الذين وصل الأمر بهم إلى الاستقالة) ناهيك عن الأطراف الخارجية التي لا يشك بحرصها على المصلحة والكيان الإسرائيلي).
الهروب إلى الأمام:
الآن، ومع تباشير الفشل في تحقيق "النصر المطلق" عن طريق اجتياح رفح، تحول نتنياهو وزمرته إلى العزف على نغمة جديدة هي أن ذلك "النصر" لا يمكن أن يتحقق إلا بعملية واسعة في لبنان تقضي على "حزب الله" وتزيل خطر حصول "سابع من تشرين" آخر على تلك الجبهة. علما أن كل مخالفيه في المعسكرين الإسرائيلي والدولي الذين ينصحونه بقبول صفقة التسوية المطروحة، يدركون أن هذا المشروع الجديد لن يكون أقل انتحارية من مشروع اجتياح غزة.
وإذا كان سيؤدي فعلا إلى تدمير هائل في لبنان، فإن التدمير الذي سيتأتى عنه في إسرائيل لن يكون أقل منه إن لم يكن أكثر بكثير.. وهذا ما يعرفه رعاته الأمريكيون أكثر من أي طرف آخر. وهو ما يفسر مساعيهم المحمومة لإيجاد صيغة من أجل تجنب هذا المآل.. ولا ينحصر سبب هذا الموقف الأمريكي في حماية إسرائيل من نفسها، بل الحذر من محظور بالغ الخطورة تتجنب واشنطن الوقوع فيه. إذ لا يمكن لها (وهي الحامية المطلقة لإسرائيل) أن تقف مكتوفة الأيدي أمام الخراب الذي يتهدد الأخيرة حتى ولو كان يهدد لبنان بالمقدار نفسه أو حتى أكثر منه. فتكون مضطرة للزج بقواتها في حرب في المنطقة تنتقل بالصراع على مستوى الإقليم إلى مآلات بالغة الخطورة على المستويين المحلي والدولي.
ما من شك في أن نتنياهو يدرك ذلك. لكنه، وهو الغارق في رمال غزة، يعتقد أن توريط أمريكا في هذا الصراع سيرمي بكرة المسؤولية الملتهبة بين يديه، على راعيه الأمريكي الذي يعتقد أنه قادر دون شك على إيجاد مخرج منه في النهاية!
وهذا ما يفسر موقف الإدارة الأمريكية نفسها ما بين السعي لإنقاذ إسرائيل من نفسها، والسعي لإنقاذ نفسها من التورط في نزاع إقليمي لا تريد أن يجرها أحد إليه.