أسرار اغتيال رابين.. هل كان انقلابا؟
عدنان بدر حلو- فينكس
الكاتب البريطاني الشهير غوردن توماس المتخصص وصاحب الباع الطويل في عالم المخابرات (له مؤلفات عديدة عن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية خاصة) يورد في كتابه الذي يحمل عنوان "التاريخ السري للموساد" رواية بالغة الدلالة لكيفية اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في 4 تشرين الثاني 1995. ذلك الاغتيال الذي تأتى عنه تغيير جذري في طبيعة الحكم والسياسة في إسرائيل. بدأ بالانقلاب على اتفاق أوسلو وتدرج في التوجه اليميني العنصري من إسحق شارون إلى بنيامين نتنياهو وتحالفه مع اليمين الديني الصهيوني.
يروي الكتاب أن صحافي الاستقصاءات الإسرائيلي باري شاميس (Barry Chamis) قد جمع الكثير من التقارير الطبية وفحوص المقذوفات وعدد كبير من إفادات شهود العيان بمن في ذلك بعض حراس رابين وأرملته والأطباء والممرضون في المستشفى الذي نقل إليه بالإضافة إلى عدد من عناصر الأجهزة ألأمنية الإسرائيلية الذين أتيح له محاورتهم.
عام 1999 قرر شاميس أن يخاطر وينشر ما توصل إليه على الانترنت. وقد خلص إلى ما يلي: "إن نظرية القاتل المنفرد التي قدمتها لجنة شامغار الحكومية بشأن اغتيال رابين، كانت مجرد تغطية لما كان يفترض أن يكون عملية اغتيال خلبية (تمثيلية) هدفها إحياء شعبية رابين لدى الناخبين. وافق ييغال عمير على أن يلعب فيها دور المنفذ تحت رعاية مشغله من جهاز الخدمة السرية الإسرائيلي". "أطلق عمير طلقة خلبية. طلقة واحدة فقط، لا ثلاث كما أذيع. الفحص الفني الذي أجرته الشرطة على غلاف المقذوف الذي التقط من مكان الحادث كشف أنه لا يتوافق مع السلاح الذي استخدمه عمير. كما أن أحدا في المكان لم ير رابين ينزف. ثم هناك لغز آخر: كيف حدث أن السيارة التي نقلت رابين إلى المستشفى قد استغرقت ما بين 8 إلى 12 دقيقة لقطع مسافة كانت تحتاج فقط إلى 45 ثانية في الشوارع التي كانت مقفرة كليا نتيجة الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الشرطة لحماية الاحتفال الذي كان يتحدث فيه رابين".
الادعاءات الأخطر التي فجرها شاميس، ولم ينفها أي مسؤول إسرائيلي: "خلال قطع المسافة الغريب إلى المستشفى بقيادة سائق محترف، أصيب رابين بطلقتين حقيقيتين أطلقتا من مسدس حارسه الشخصي يورام رابين. وقد ضاع هذا المسدس في المستشفى ولم يعثر عليه أبدا. كما أن الطلقتين اللتين استخرجتا من جسد رئيس الوزراء اختفيتا أيضا. وفيما بعد انتحر الحارس الشخصي"!
استجوب شاميس الجراحين الثلاثة الذين حاولوا إنقاذ رابين. كما ناقش معهم شهادة ضباط الشرطة الذين كانوا حاضرين عند ظهور عمير في المشهد. وقد أكدوا جميعا أن إسحق رابين لم يكن مصابا بأي جرح عند دخوله إلى السيارة التي نقلته إلى المستشفى. بينما كان عند وصوله إلى المستشفى ينزف من جرح كبير وواضح وخطير في خلفية رقبته.
وخلال تلاوة الادعاء العام لمطالعة الاتهام صاح عمير في المحكمة قائلا: "إذا قلت الحقيقة كل هذا النظام سينهار. ولدي من المعلومات ما يدمر هذه البلاد"!
وجاء في شهادة عنصر من الشين بيت، كان قريبا من عمير عند إطلاق النار: "لقد سمعت شرطيا يصيح بالناس ألا يتجمعوا فهذا ليس إلا إطلاق نار على بياض (تمثيلي)". وقد تليت هذه الشهادة في جلسة مغلقة.
كما أن ليا رابين (أرملة رئيس الوزراء) قالت في الجلسة المغلقة نفسها إن زوجها "لم يقع على الأرض، حتى أنه لم يترنح أبدا. لقد بقي واقفا وكان يبدو عليه أنه في وضع جيد تماما". كما أنها اشتكت من أنهم منعوها من رؤية زوجها مدة ساعة بعد وصوله إلى المستشفى. وينقل شاميس عنها أن ضابطا ذا رتبة عالية في جهاز الأمن قال لها "لا تقلقي لأن هذا كله ليس إلا مسرحية". وفيما بعد توقفت أرملة رابين عن الإدلاء بأي تصريح يتعلق باغتيال زوجها.
السياق السياسي للانقلاب:
كان واضحا أن إسحاق رابين الذي لم يكن في البداية متحمسا لاتفاق أوسلو هو القائد الإسرائيلي القادر فعلا على استدراج تأييد شعبي لمثل هذه الخطوة الكبيرة والتي كان يمكن أن تكون تاريخية. وهذا ما كان يراهن عليه ضباط كبار متقاعدون شكلوا كتلة تعرف بمجلس السلام ودعموا رابين لقيادة حزب العمل آنذاك.
وما من شك في أن مناخا جديدا قد سيطر على الوضع في الأرض المحتلة بعد عودة قيادة منظمة التحرير إلى فلسطين وساد هدوء أمني لأكثر من سنة (التزمت به حتى المنظمات الفلسطينية المعارضة لأوسلو سواء المنضوية في منظمة التحرير او الخارجة عنها "حماس" و"الجهاد"). جرت خلالها انتخابات الرئاسة الفلسطينية وفاز فيها الرئيس عرفات. وتطورت العلاقات ما بين قيادة السلطة الفلسطينية وبين القيادة الإسرائيلية بشكل إيجابي تطور معها موقف رابين نفسه وبات أكثر اقتناعا بعملية السلام وهذا ما عبر عنه بشكل واضح جدا في الخطاب الذي القاه في الاحتفال الذي اغتيل في نهايته.
في تلك الفترة بالذات جرت ثلاث عمليات اغتيال:
1- اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لمنظمة "الجهاد الإسلامي" 26/10/1995 في مالطا على أيدي الموساد.
2- اغتيال اسحق رابين بتاريخ 4/11/1995
3- اغتيال المهندس يحيى عياش أحد أبرز قادة "حماس" في غزة بتاريخ 5/1/1996
لقد شكل اغتيال القائدين الفلسطينيين آنذاك استفزازا للحركتين الإسلاميتين. وكان متوقعا بالطبع أنهما لا بد وأن تردا عليه.. وهذا ما حصل فعلا. إذ تم تنفيذ عدة عمليات استشهادية في كل من تل ابيب والقدس سقط فيها الكثير من القتلى والجرحى.
في غياب رابين كان شمعون بيرس أضعف من أن يضبط الجو الإسرائيلي الذي أدمته تلك العمليات وأججت لديه الحماس للرد على الرد فانصاع لذلك المناخ وقاد عملية الإبعاد الجماعية إلى لبنان، ودخل الوضع بكامله في جو مغاير كليا لما كان عليه قبل تلك الاغتيالات. فكان طبيعيا أن يفوز حزب الليكود بزعامة نتنياهو في الانتخابات التالية.. وتبدأ الحياة السياسية الإسرائيلية بالتدهور يمينا حيث تعاقب شارون ونتنياهو.. وهذا بمجمله شكل انقلابا كبيرا كان مفتاحه اغتيال رابين الذي وضع بداية النهاية لوجود حزب العمل في الحكم وبداية النهاية لعملية أوسلو التي يسميها نتنياهو جريمة أوسلو. فليس غريبا أبدا أن يكون ذلك الاغتيال قد تم نتيجة مؤامرة كما هو وارد في كتاب غوردون توماس.