سورية الاستثناء بين البلدان العربية المتمسكة بنهج مقاطعة "إ.سرائيل" ورفض التطبيع معها

نبيهة ابراهيم- فينكس:

دمشق احتضنت (مكتب المقاطعة المركزي) لـ"إسرائيل"، وهو المكتب الذي أحدثته جامعة الدول العربية في العام ١٩٩٥ بهدف إقامة مقاطعة منظمة رسمياً للبضائع والخدمات و الشركات غير العربية التي تتعامل مع "اسرائيل"، وكل ما يتعلق بهذه الشركات من أنشطة واستثمارات، كما ضمّن نظام المقاطعة أية منتجات لفنانيين أجانب، صناع السينما أو الموسيقيين يتم مقاطعتها إذا تم اعتبارها قريبة من "اسرائيل". في العام ١٩٧٧ مرر الكونغرس الأمريكي تشريع وقعه كارتر يفرض غرامات على الشركات الأمريكية التي تتعاون مع المقاطعة، وأُنشئ مكتب لهذا الغرض سمي بـ(مكتب الامتثال ضد المقاطعة) كجزء من وزارة التجارة الأمريكية.
- سورية ومعها لبنان هما الاستثناء بين البلدان العربية التي لا تزال تلتزم رسمياً بنظام المقاطعة، مصر بعد كامب ديفيد فتحت باب التطبيع على مصراعيه لتتبعها الأردن وترفع نظام المقاطعة رسمياً في العام ١٩٩٥ بعد (اتفاق وادي عربة)، وبالمثل وافقت السلطة الفلسطينية على عدم الامتثال لنظام المقاطعة ولحقتها الدول الخليجية ١٩٩٤.
- لا يمكن لذي عقل وبصيرة أن يفصل بين الهدف الأساس للحرب الشرسة التي شُنت على سورية بشعبها وانجازاتها ووعيها وثقافتها وثوابتها الوطنية والقومية، وبين استراتيجية الهيمنه الأمريكية التي كانت وما تزال تجد في سورية عقبة كأداء في مقاومة مشاريعها وكيانها الإسرائيلي الذي يشكل القاعدة الاستعمارية المتقدمة لها في منطقتنا.
- كل يوم وكل لحظة استحضر حديث تلك الشابة طالبة في الصف الحادي عشر وهي تحاورني بعد عشر سنوات ونيف من الحرب قائلة: كيف تريدون لجيلنا أن يحب وطنه ويتمسك فيه ونحن لن نعرف سوى حياة القلق والخوف والمآسي، وتتابع قائلة والأسى يطوف من عينها ووجهها: "تمنينا أن نرى شيئاً جميلا حولنا لنتمسك فيه". هنا قفزت ذكرياتي لواجهة القلب وأعادتني لأيام الرحلات المدرسية وجمالها ومتعتها، نحن جيل الثمانينات والتسعينات، كيف كنا نزور ونطلع على معظم معالم سورية وأوابدها الحضارية وأنجازاتها الاقتصادية، تذكرت معمل السكر في مدينة حماة وآفاميا وقلعة الحصن وتدمر وأوابدها وجزيرة أرواد وكل هذا الجمال نحن تربينا عليه وتعرفنا عليه لينمي الذوق الجمالي عند جيلنا ويؤسس لوعي وطني جمعي يعتصم بحب الوطن والتمسك به، حينها فقط قلت في نفسي هذه الشابة معها حق بل معها كل الحق، من المسؤول عن تنمية الوعي الوطني وصيانته لدى هذا الجيل الذي عانى الحرب وويلاتها، من المسؤول عن تربية ذاكرة جماعية يتوارثها الأبناء عن الأجداد تحتفظ بصور وبطولات وتضحيات عمدت بالدم كل حبة تراب من هذا الوطن الطاهر، من المسؤول عن تعليم هذا الجيل بأن الوطن هو الأم التي تحنو على أبنائها وتقتفي أثرهم في معركة هم المنتصرون فيها أبداً، اين الأسرة، اين مؤسسة وزارة التربية، أين كل المؤسسات الثقافية الاجتماعية وفي مقدمتها الإعلام الذي تقع عليه المهمة الأخطر، إن تربية الوعي الوطني بحاجة إلى خطط وبرامج بشكل دائم ومستمر هذا في الحالة الطبيعية، فكيف لبلد مثل سورية تعرضت إلى ما تعرضت من استهداف وتدمير لذاكرة أبنائها وهويتهم الثقافية الحضارية.
القضية على خطورتها لاتتعلق بكونها "كاتب" مسوِق لنهج التطبيع منذ كامب ديفيد إلى اليوم، أو "فنان" بلده عاقبته وُدعي ليقيم حفلاً في قلعة دمشق العظيمة، إنها قضية الحفاظ على الذاكرة الجمعية للشعب السوري وتحصينها من الاختراق، لحماية مستقبل سورية وابنائها من هيمنة امريكا والغرب الاستعماري.