هل نحن أمام خمسينيات جديدة؟ الصراع مع الغرب هو المتحكم بمصير المنطقة!
عدنان بدر حلو- فينكس:
منذ أيام الفينيقيين حتى الآن، مرورا بالعصور اليونانية والرومانية والفتح الإسلامي الذي وصل إلى جنوب فرنسا والغزو العثماني الذي دق أبواب العواصم الأوروبية وحروب الفرنجة، وصولا إلى الاستعمار الغربي الحديث بكل تجلياته (الانتداب والتقسيم وسايكس-بيكو والغزو الصهيوني والعدوان الثلاثي وليس انتهاء بغزو العراق).. كان الصراع بين المنطقة العربية والغرب هو الحلقة المركزية في كل ما شهدته منطقة جوار البحر الأبيض المتوسط من أحداث وتطورات مصيرية.
كلا الجناحين في مساحة الميدان هذه كان يرى في نهوض الجناح الآخر وتفوقه تهديدا مصيريا له. فلا ينهض أحدهما إلا على حساب الآخر ولا يطمئن إلا عندما يكون قد ألحق الهزيمة بالخصم المتربص به على الضفة الأخرى من الإقليم.
وما من شك في أن تطورات العالم منذ عصر النهضة الصناعية الحديثة قبل خمسة قرون ونيف، قد أحدثت تفوقا غربيا ساحقا أتاح لدول الغرب الأوروبية فرصة السيطرة على هذا الشرق، لاسيما بعيد الحرب العالمية الأولى مطلع القرن الماضي.. وقد عبر الجنرال غورو عن المكنون التاريخي لهذا الغزو بجملته الشهيرة حين خاطب ضريح صلاح الدين الأيوبي بقوله "ها قد عدنا يا صلاح الدين"!
مذ ذاك، ورغم كل النزاعات البينية التي كانت تعصف بدول الغرب، كان هناك إجماع على ضمان استمرار "الهزيمة العربية" مجسدة بالهيمنة والتقسيم والتخلف... وأهم ما في ذلك تبديد وتغييب الهوية القومية الجامعة التي تشكل الوعاء الحضاري الغني لمجتمعات هذه المنطقة.
وما من شك في أن زرع إسرائيل كان "الإنجاز" العبقري الذي نجح الغرب في تأسيسه كجسم سرطاني في أهم موقع استراتيجي يقطع معظم وأهم شرايين التواصل بين مكونات هذا الجسم الممتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.
وإذا كانت كبوة القارة الأوروبية نتيجة الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية في بلدانها، قد أتاحت لشعوبنا التي لم تتوقف عن النضال من أجل حريتها، فرصة محدودة للحصول على الاستقلال، فإن ذلك الاستقلال كان محدودا باستمرار خضوع معظم الأنظمة التي ورثت الحكم، لنفوذ الدول التي كانت تستعمرها. وظل النهوض الاستقلالي خاضعا لسقف الضغوط الغربية المتحكمة بكل شاردة وواردة فيه.
ومع ذلك استطاعت شعوبنا مواصلة هذا النهوض "المكبوح" بهدف إنجاز تحررها وتطوير استقلالها وتحقيق وحدتها فكان تاريخنا الحديث معركة متواصلة ومعقدة ومتشابكة العوامل في خضم هذا الصراع التاريخي الذي يحمل عنوان: "الشرق شرق والغرب غرب"!
وما من شك في أن مرحلة خمسينيات القرن الماضي قد شهدت صعودا كبيرا للحركة النضالية العربية، ربما تكون معطيات الصراعات الدولية آنذاك هي التي وفرت لها الفرصة والمناخ الملائمين. فما بين انقسام العالم إلى معسكرين متصارعين.. وما بين السعي الأمريكي المحموم لإزاحة النفوذ الاستعماري التقليدي (البريطاني الفرنسي) ووراثته في المنطقة.. تمكنت الحركة الشعبية العربية من النهوض في مشرق الأرض العربية ومغربها.. وتجلى ذلك في المناخ الديمقراطي الذي عرفته سورية في الخمسينيات وتحولت معه إلى بؤرة نهوض قومي مشعة امتدت آثارها إلى المنطقة العربية كلها، ثم جاء فشل العدوان الثلاثي على مصر (وهو فشل سياسي استراتيجي أكثر منه عسكريا) ليطلق دورا تحرريا للقاهرة (عرف بالحقبة الناصرية) على اتساع خريطة الشرق الأوسط العربية منها وغير العربية، فامتد لهيب الثورات التحررية من محميات الخليج في المشرق إلى جبال الجزائر في المغرب.
غير أن رسوخ الهيمنة الأمريكية على الغرب مكنه من لملمة صفوفه تحت علم العم سام واستئناف زمام المبادرة في معركته التاريخية مع هذه الأمة، فكان عدوان 1967 بداية للانكسار العربي من جديد..
صحيح أن محاولات التمرد لم تتوقف طوال هذه الفترة لكنها كانت كلها تحت سقف التفوق الغربي ونفوذه وهيمنته.. حتى "الربيع العربي" بكل ما شهده من ثورات وما سفح في ساحاته من تضحيات كان محكوما بهذا السقف. فلم يخلف، رغم كل هذه التضحيات، غير الدمار الذي اجتاح أهم البلدان العربية من العراق إلى سورية واليمن وليبيا وتونس والسودان.. مفسحا في المجال لإسرائيل كي تتمدد حيثما تشاء حاملة مشروع "التطبيع" و"صفقة القرن" من بلد إلى آخر!
الآن!!!
مع التطورات العاصفة التي يشهدها العالم في حقبة العشرينيات الجديدة، وفي مقدمتها بدايات أفول السطوة الأمريكية المطلقة على موازين القوى الدولية، وانفجار الحرب الأوكرانية في أوروبا وتعاظم الدور الصيني وامتداده من العالم الاقتصادي البارد إلى العالم السياسي الساخن وأبرز ما تجلى منه هو مصالحة بكين السعودية -الإيرانية التي أطفأت أهم بؤر صراعات الاستنزاف في هذه المنطقة، هل نحن أمام حقبة خمسينيات جديدة في الشرق الأوسط؟
ما من شك في أن أبرز تجليات هذه المعطيات المستجدة قد ظهر في النهج الجديد للقيادة السعودية الذي فاجأ الجميع بتمرده على السطوة الأمريكية. وكانت له معالم بالغة الوضوح والدلالة:
أولا: رفض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرضوخ لطلب الرئيس الأمريكي جو بايدن زيادة إنتاج النفط للمساهمة في الضغط على روسيا بعيد اندلاع الحرب الأوكرانية. بل أكثر من ذلك بادر إلى اتخاذ قرار في منظمة (أوبك+) يقضي بخفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميا.
ثانيا: هذا ما دفع بالرئيس الأمريكي الذي كان قد أعلن على الملأ منذ توليه الرئاسة أنه لن يستقبل الأمير السعودي ولن يلتقيه، إلى المبادرة لزيارة السعودية (بتاريخ 15/7/2022) حيث امتنع ولي العهد عن استقباله في المطار وأوفد أحد الأمراء الآخرين للقيام بذلك. ولم يكتف ولي العهد بهذا الاستقبال البارد بل ظل متمسكا بموقفه الرافض للطلب الأمريكي بشأن زيادة إنتاج النفط.
ثالثا: بعد أشهر قليلة (بتاريخ 7/12/2022) كانت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ للسعودية، حيث حظي باستقبال ملكي حافل كان واضحا أنه يحمل رسالة صريحة لمن يهمه الأمر في واشنطن! بل أكثر من ذلك عمد الجانب السعودي إلى عقد ثلاث قمم مع الضيف الصيني (قمة صينية -سعودية وثانية صينية -خليجية وثالثة صينية –عربية) إضافة لتوقيع عقود واتفاقات وتفاهمات بمليارات الدولارات وفي مقدمتها التفاهم على بيع النفط للصين باليوان بدلا من الدولار!
رابعا: ثم كانت المفاجأة الكبرى بتاريخ 6/4/2023 عندما تم الإعلان في بكين عن اتفاقية للمصالحة وإعادة العلاقات بين السعودية وإيران التي توصل إليها وفدان أمنيان وسياسيان رفيعا المستوى بعد مفاوضات استمرت أسبوعا كاملا بإشراف ورعاية وفد صيني رفيع أيضا.
خامسا: في الوقت الذي كان فيه رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن صراحة أن أول إنجازات حكومته الجديدة ستكون "التطبيع" مع المملكة العربية السعودية، كانت المفاجأة الجديدة بقيادة السعودية لعملية التطبيع العربي مع سورية.
ما من شك في أن هذه المفاجآت والتطورات قد خلقت مناخا جديدا في المنطقة انقلبت فيه الأمور من حال متشابكة الصراعات والعداوات والنزاعات والحروب الأهلية وغير الأهلية، إلى حال من الانفراجات والتفاهمات. وكان أبرزها التحول بإيران من "العدو الفراعة" الذي استخدم لإرهاب دول المنطقة واستنزاف خيراتها بحجة حمايتها منه، إلى دولة إقليمية عادية يمكن لدول المنطقة أن تنسج معها علاقات طبيعية قوامها التعاون والمصالح المشتركة.
وهنا يطالعنا السؤال التالي:
هل تقودنا هذه التطورات إلى مرحلة تجديد للنهوض العربي الذي كان في الخمسينيات، إنما بطبعة حديثة تأخذ في الاعتبار كل ما استجد من معطيات وكل ما في أيدي القياد الجديدة من إمكانات لم تكن متوفرة في أي مرحلة ماضية؟
أو بشكل أدق هل نحن أمام حقبة سعودية جديدة تشكل انقلابا على الحقب السعودية السابقة، بل استئنافا متطورا للحقبة الناصرية؟
تغير كبير دون شك. وهو بالتأكيد شديد الخطورة لأن الفريق المتضرر (أمريكا وإسرائيل) لا يمكن أن يسلم بمثل هذه الهزيمة بسهولة!!
هل انفجار السودان هو أول الغيث المضاد؟