مبادرة جزائرية أصيلة لإنهاء الانقسام الفلسطيني.. ولكن!

هادي دانيال - فينكس- تونس:

أن تأخذ الجزائر الدولة الوازنة إقليميا وعلى المستوى العربي والدولي على عاتقها إعادة الحق الفلسطيني إلى صدارة المشهد السياسي الدولي انطلاقا مِن العمل على إنجاز مصالحة بين الفصائل الفلسطينية تنهي الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني الذي انجرّ عنه واقعيا وجودُ سلطة قائمة في قطاع غزّة خارجة على منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، أن تأخذ الجزائر على عاتقها ذلك فإنّها تستجيب لوجدان الشعب الجزائري الذي يعدّ الحق الفلسطيني جزءاً من منظومته العقائدية، عبّر عنه مؤخرا في تشجيع فريق رياضي فلسطيني على حساب فريق رياضي جزائري على أرض الجزائر، ولهذه الواقعة بُعدها الرمزي الدالّ. ناهيك عن مسار الدعم الجزائري الشعبي والرسمي قبل استقلال الجزائر وبعد استقلالها لفلسطين وثورتها وسلطتها الوطنية.

وتنبني مصداقية المبادرة الجزائرية أيضا على أنّ الجزائر لم تنخرط في مؤامرة الربيع العربي التي كانت ولا تزال تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، فبتدمير الدولة الوطنية العربية المستقلة ذات السيادة التي تمثل الجزائر نموذجها المتبقي بعد احتلال العراق وتدمير الدولة الليبية وإضعاف تونس والحرب المستمرة على سورية واليمن، تُدَمّر مُسبقا الدولة الوطنية الفلسطينية كفكرة. كما أنّ الجزائر لم تنخرط في أي مسار تطبيعي من المسارات التي شهدتها المنطقة قبل مؤامرة الربيع العربي أو من جرّائها. والجزائر وسيط مقبول من الفصائل الفلسطينية كافة لأنّ غايتها الوحيدة هي تقوية العامل الذاتي الفلسطيني لمواجهة الظروف الموضوعية الإقليمية والدولية الملائمة أو غير الملائمة لاستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في العودة وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية على التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس. وهذه الغاية الجزائرية واضحة في بنود الورقة الجزائرية التسعة التي وضعتها أمام الفصائل الفلسطينية للوصول إلى اتفاق. والتي تتلخص في "تأكيد الوحدة الوطنية واعتماد لغة الحوار في حل الخلافات في إطار منظمة التحرير الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني، إنهاء الانقسام وتكريس مبدأ الشراكة السياسية، وتعزيز دور منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها، وانتخاب المجلس الوطني وفق صيغة متفق عليها، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في جميع المناطق الفلسطينية بما فيها القدس، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تلتزم بالشرعية الدولية، توحيد المؤسسات الوطنية، وتفعيل آلية عمل للأمناء العامين للفصائل لتسهيل عمل الحكومة، وأخيرا تشكيل فريق جزائري فلسطيني بمشاركة عربية للرقابة على تنفيذ الاتفاق".

ولكن على الرغم من "حصول" الاتفاق فإنّ غياب الآليات والضمانات لتنفيذه قد يضيف هذا الاتفاق إلى اتفاقات سابقة أبرمت مجاملة للعواصم التي استضافته وتبخّرت لاحقاً، ذلك أنّ عوامل الفشل مصدرها عواصم التطبيع العربي والقوى الدولية المتحالفة استراتيجيا مع العدو الصهيوني، هذه القوى العربية والأجنبية التي لها نفوذها بوجود "حرْكيين" داخل بعض الفصائل الفلسطينية، خاصة التي نشأت في النصف الثاني من ثمانينات القرن المنصرم والتي كان الهدف الأساس من إنشائها إجهاض ثمار النضالات التي راكمها الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات منذ انطلاق الثورة سنة 1967 وصولا إلى انتفاضات الداخل بدءا بيوم الأرض سنة1976 ، وأبرز هذه الثمار والإنجازات الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني وعشرات القرارات الدولية التي تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، وصولا إلى اعتراف أكثر من 140دولة عضوة في الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية منذ إعلان الاستقلال الفلسطيني سنة1988في العاصمة الجزائرية.

فالفصائل التي كان الهدف من إنشائها ضرب وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية هي التي رفعت راية الانقسام منذ نشأتها، وبالتدقيق في أسماء هذه الفصائل وراياتها الفصائلية سنلاحظ بسهولة غياب فلسطين الوطن غيابا تاما عن أسمائها وراياتها، ولهذا دلالته الرمزية، وتداعياته. وعن بعض هذه الفصائل ظهر أول خروج على بند من بنود الورقة الجزائرية، يتعلق بتشكيل " حكومة وحدة وطنية تلتزم بالشرعية الدولية"، ويجب أن ننتبه لا حقا إلى محاولات مسعورة تصدر عن الغرب الاستعماري و"حرْكييه" والكيانات العربية المطبّعة مع الكيان الصهيوني وأدواتها المسعورة لإجهاض هذا الاتفاق قبل أن يلقي ظلاله الإيجابية على القمة العربية التي تستضيفها الجزائر في الأيام المقبلة.