لمن يعمل زيلينسكي؟!
محمد الوزيري- فينكس:
هناك أمر غريب جدا ثقِفته عند البحث في بعض شيفرات هذه الحرب.. و أغرب ما فيه شخصية الرئيس التي بدت محيرة و غير مفهومة، لأنها لم تقم على أي أساس أيديولوجي أو رأسمالي أو حتى سياسي محض.. فمن كان يظن بأن خطة الحصان في غزو "طروادة" أضحت من الزمان الماضي، فعليه أن يصحح ظنه، لأن الخطة ظلت سارية منذ عهدها، و في كل مرة تتقمص لوناً معيناً، و تنحو نحوا مختلفاً.
ما يزيد عن 90% من سكان أوكرانيا مسيحيون، ينقسمون حسب الانتماءات الكنيسية إلى أرثوذكسية شرقية، و أرثوذكسية أوكرانية و بطريركية كييف، و بطريركية موسكو، ثم كاثوليكية رومانية، و كاثوليكية أوكرانية، و بروتستانت
بنسب قليلة.. و ما بقي من متفرقات من المسلمين و البوذيين و اليهود و اللادينيين.. الخ...
بنسب قليلة.. و ما بقي من متفرقات من المسلمين و البوذيين و اليهود و اللادينيين.. الخ...بينما "زيلنسكي" لا ينتمي إلى أي من الفرق المسيحية الأغلبية، إذ هو يهودي أبا عن جد، و لإماطة خمار الشك، يقول عن نفسه أنه ليس بيهودي متشدد، و ما أكثر الأحيان التي ارتدى فيها رداء العلمانية في تصاريحه. بينما لا يوفر فرصة إلّا و تحدث فيها عن (معاناة) يهود كيان إسرائيل المؤقت. ثم اليوم يناشد الشعب اليهودي للصلاة من أجل أوكرانيا التي لا يمثل اليهود فيها حتى %1. فلم تستطع (علمانيته) أن تكبح جماح الوجدان اليهودي الذي يسكنه. فجده "سيميون" اليهودي أيضا خدم في الجيش الأحمر السوفييتي، و تقول الرواية أن أخاه و ابنيه قتلوا في ما يسمى بالهولوكوست أو المحرقة النازية المزعومة!
زيلنسكي فنان و ممثل كوميدي لم تكن له علاقة بالسياسة قبل ترشحه للرئاسة ولا بعد ترشحه ولا حتى و هو يخوض حرباً مصيرية اليوم. فكيف أصبح رئيسا لدولة كبيرة في رمشة عين و في غفلة من دهاة الحل و العقد؟!.. بل حتى شهادته الجامعية لم تشفع له في ما هو فيه، إذ بدا كأنه كان مدفوعا للحصول عليها و الخروج بسرعة إلى مجال الكوميديا و الرسوم المتحركة و الفن، أي مجال الشهرة و المال لحاجة في نفس يعقوب!
يقال إن الصدفة الذهبية إذا حدثت تحدث مرة في العمر فقط. و لكن يبدو أن "زيلنسكي" سيعيش عمره كله صدفا ذهبية.. لأن الفترة التي فصلت بين مرحلة اشتغاله في "الفن" و مرحلة (اشتغاله) في السياسة لم تدم سوى شهرين أو ثلاثة. فأي معجزة خرافية هذه؟!
هل يمكن اعتبار هذا التسلسل الزمني في تبدُّلِ الأحداث كله حظ وفير لصالح "زيلنسكي"؟
فانظُروا..
تم تعديل الدستور الأوكراني عام 2014، لتوسيع سلطة الرئيس و تقويض أي رقابة من المجالس الكبرى التي قد تعرقل طريقه. و حتى هذا الحين لم تظهر في "زيلنسكي" أي بوادر للدخول في غمار السياسة، بل على العكس قام "زيلنسكي" بإنتاج مسلسل "خادم الشعب" عام 2015 و دعمه فيه الصهيوني "أيهور كولومويسكي"، ثم أذيع في التلفزيون الوطني الأوكراني أيضا. بعده مباشرة أسس حزباً سياسياً بالإسم نفسه، أي"خادم الشعب" عام 2017، فتم قبول ترشيحه للانتخابات الرئاسية عام 2018، ثم أصبح بقدرة قادر رئيساً لأوكرانيا منذ عام 2019.. و هكذا حصل!
و ليس عبثاً..
إن المادة 35 في الفصل الثاني من الدستور الأوكراني أوصلت "زيلنسكي" إلى الحكم، و المادة 75 في الفصل الرابع، هيأت له حرية التصرف، و المادة 17 في الفصل الأول هي التي شنت روسيا الحرب ضده بسبب مخالفتها. بينما المادة الفقرة 9 من المادة 84 هي المفتاح الذهبي الذي يملكه "زيلنسكي" لإقحام البلاد في الحرب دون أن تنازعه فيه أي من الهيئات العليا في الجمهورية. أما الفقرة العاشرة من المادة نفسها فهي التي تحفظ له منصبه، بينما تخلده فيه المادة 111 التي تنص على أن عزل الرئيس يستلزم موافقة غالبية التكوين الدستوري.. و الغالبية أصلاً جيء بها لأداء دور الكومبارس في مسرحية دفع أوكرانيا إلى الانهيار، و جعلها سلاحاً تستخدمه الصهيونية العالمية لمواجهة أعداء مصالحها و على رأسهم "روسيا" حتى آخر جندي أوكراني!
إن حتى الملامح التي يجب أن تظهر على رئيس ترزح بلاده تحت الحرب و الدمار لم يبد أي منها على وجه "زيلنسكي". و ذلك ليس تقنية البتة لكي يظهر بها بمظهر الشجاع و المتفائل، بل لأن الحقيقة هي أن "زيلنسكي" لا يحكم "أوكرانيا" مطلقاً، و إنما تم استخدامه واجهة لاستخدام البلاد سيفاً ذو حدين، مدمِّرة لكي تبقى قوى الإمبريالية في منأى عن الصراع مع روسيا و مواصلة استنزافها، و مدمَّرة لكي تساوم على بيعها الإمبريالية في سوق النخاسة الدولية إذا ما تم لروسيا النصر.
لقد كان أول وعد قدمه "زيلنسكي" للجماهير قبل الحكم هو عدم الانضمام إلى أي حلف، فكان أول وعد يخلفه إبان الحكم. و وعد بأن يفتح حواراً مباشراً مع روسيا، فأخلف. و وعد بأن المادة 17 من الدستور لا يمكن أن تخالف، و هي إحضار أي قوات أجنبية إلى الأرض الأوكرانية، فلم يكن من ذلك إلا عكسه تماماً.
"زيلنسكي" جيء به ليخوض الحرب بأوكرانيا ضد روسيا عوضا عن أمريكا و الصهيونية العالمية. في الوقت الذي لم تعد تقوم فيه أوروبا بأي دور محوري في السياسة العالمية إلّا التبعية للقرار المركزي الأمريكي و المشاركة في دعم معارك أمريكا... جيء به، و لكن، من جاء به؟!