منتهى الغدر.. وفي رواية أخرى مقتدى الصدر
باسل الخطيب- فينكس:
لطالما كان العراق ذاك الطائر العملاق، ذي الأجنحة الثلاث، وهناك دائماً أحد الأجنحة الذي يعيق الاثنين الآخرين عن الطيران..
أتابع أخبار العراق الآن، و يخطر على بالي السؤال التالي، أيهما كان أفضل للعراق صدام حسين أم مقتدى الصدر؟ أليس هذا السؤال من فصيلة شر البلية ما يضحك؟..
تكاد تصل بك الأمور أنك تتتمنى لو أن نعمة الكهرباء لم تأت، و أنك لم تشاهد هذه الأخبار.... ترى تلك الشاشات و هي تعرض أولئك الهمج الرعاع أتباع ما يسمى التيار الصدري، و قد اجتاحوا مباني مجلس النواب و القضاء الأعلى، و استوطنوا الغرف و الساحات، يلوحون برايات غريبة منها الأخضر و الأسود و كلها ذات معاني طائفية بحتة.... رحمك الله يامظفر، لو عدت اليوم لحاربك الداعون إليك و سموك شيوعياً..
ترى أولئك الهمج الرعاع ينطون و لا يحطون، يرغدون و يزبدون، يجعرون و يزعقون..... على فكرة لطالما قلت أن تشارلز داروين إياه صاحب نظرية التطور في كتابة أصل الأنواع لم يكن مخطئاً كثيراً، هو أخطأ الاتجاه فحسب.... تأملوا تلك المهزلة التي وصلناها، تلك المهزلة التي نعيشها، أن عدة ملايين من العراقيين يتم نسبتهم و اختصارهم بشخص أو بعائلة، ألا تختصر تلك التسمية (التيار الصدري) كل مآسينا؟!.... أتعرفون أن المدعو مقتدى الصدى الذي لا يعرف أن يركّب جملة مفيدة و لا حتى جملة غير مفيدة، مقتدى الصدر هذا لم يتجاوز مرحلة الإعدادية، حتى على المستوى الديني لم يكمل تعليمه، فهو ليس مرجعية دينية عند ناسه، و كل إرثه و رصيده هو كنيته و حسب..
ذاك المقتدر ينتقي النواب و الوزراء عن تياره، تراه يجمع كتلته النيابية و فيهم الطبيب و المهندس و دكتور الجامعة و الأستاذ و المحامي و الضابط السابق، يحاضر فيهم و يعطيهم توجيهاته، و أولئك الإمعات يهزون رؤوسهم موافقين.... أما أولئك الرعاع أتباع الناعق إياه يكادون يسجدون له، يرون فيه معصوماً لا يأتيه الباطل من أي جانب، و لكن أتراني أشفق عليهم؟ سحقاً لهم أنهم ارتضوا أن يكونوا قطيعاً، فليبقوا إذاً قطيعاً..
كان يوم 19 نيسان 2003 من أسوأ أيام حياتي، يوم سقوط بغداد، و لم تكد تمضي أشهر حتى سقطت سقوطها الأعظم مرة أخرى، صار ذاك العراق العظيم يقاد عبر العمائم و الجبات، العمائم والجبات من كل ملة، العمائم و الجبات التي أتت على ظهور الدبابات الأمريكية...... أتدرون أنه وصل الأمر بجمع كبير من العراقيين عام 2004 أو 2005 أنهم رفضوا أن يدفعوا فواتير الكهرباء، على اعتبار أن الحكومة كافرة، و لم يدفعوا إلّا بعد أن أصدر السيستاني فتوى بوجوب الدفع، تخيلوا النفاق أنهم يرضون استجرار الكهرباء من الحكومة الكافرة، و لكن لا يدفعون لها لقاء ذلك لأنها كافرة، بالله عليكم أهذا مآل العراق العظيم؟.. ذاك البلد حكمه حزب البعث مدة أربعين عاماً تقريباً ليسقط تحت حكم العمامات خلال أشهر، يكفي أن يحرك مقتدى إياه أصبعه الصغرى حتى تهيج و تموج ملايين الأتباع، لو قام أي مفكر صنديد بتحريك أصابعه العشرة أو العشرين هل كان ليتزحزخ أكثر من خمسين شخصاً؟ و لكن أليس هذا الحال هو حال كل تلك الصحراء التي تمتد من جاكرتا إلى طنجة؟ على فكرة لا يتفوق على رجال الدين في هذه الشعبية إلّا الراقصات، يكفي أن تهز سارية السواس أو هيفا ببعض خصرها حتى تهيج و تموج الملايين، هل يعقل أنه لا يوجد بديل إيدولوجي لمقتدى الصدر و أيمن الظواهري إلّا سارية السواس و هيفاء وهبي؟.... على فكرة زلة قدم، مجرد زلة قدم، ما بين الظواهري و هيفا..
في السبعينات أجرت أحد المحطات الإذاعية مقابلة مع الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب، سألته المذيعة: أنك استاذ مظفر لاتعوزك اللغة والمفردات أبداً، لماذا تستعمل في قصائدك كلمات نابية؟ أما كان الأنسب استبدالها بكلمات مهذبة وتؤدي ذات المعنى؟... أجابها رحمه الله: إنه عندما كنا نخاطب من ننتقد بكلمات كاللصوص والحرامية والشطار، كانوا يعتقدون أننا نمدحهم، أو نصفهم فحسب، لذلك اضطررنا أن نقول لهم أبناء كذا وأبناء كذا حتى يفهموا أننا ننتقدهم ونذمهم.
ترى أي كلمات نتقيئها يمكن أن تصف حالنا؟
أذكر أنه أثناء لقاء صحفي مع رئيس أركان الجيوش الامريكية، أن تم سؤاله لماذا فشلنا في غزو الصومال ونجحنا في العراق، مع أن الصومال أضعف من العراق بكثير؟... كان جوابه رائعاً وبليغاً، إذ قال: "لأنه لايوجد في الصومال مثقفين".. لطالما امتطى الأمريكان ظهور مثقفي البلد المراد اجتياحه، المثقفون العراقيون هم من أعطى المبررات و المسوغات للغزو الأمريكي لبلدهم، المثقفون السوريون هم من قدم الغطاء لكل تلك الجماعات الإرهابية التي عاثت فساداً في بلدهم، هم من أعطى صك براءة لكل ذاك الدم الذي سفكته تلك الجماعات..
العراق، وكما نرى الأمور، يتجه للإختفاء عن الخريطة، لا أعتقد أن هناك مايمكن أن يعيد العراق.. وسأقولها للتاريخ، إن مشروع مقتدى الصدر هو دولة شيعية في جنوب العراق، دولة يكون هو فيها الحاكم المطلق، ولايراد لتلك "الدولة" أن تكون تابعة لإيران، لذلك يمم وجهه شطر الكيان الكيان الوهابي..
نعم، لقد قضي الأمر الذي فيه تستفون، لانملك إلّا أن نقرأ الفاتحة، أو ماتبقى منها، وان نجتر بضعة أبيات للمتنبي والمعري...
هل مازلتم تتساءلون أيهما أفضل، مقتدى أم صدام؟