بعض الدراما.. "كسر الهيبة" المسمار الأول
باسل الخطيب- فينكس:
يسألني البعض، ماسبب هذا الهجوم العنيف والمتكرر على مسلسل "كسر عضم".... خذوا علماً، لاشيء كالدراما قادر على تركيب الذاكرة أو إعادة تدويرها، لاشيء كالدراما قادر على تكوين الصور النمطية وترسيخها في اللاوعي، فلانستطيع أن ننكر أن مسلسلات كـ("باب الحارة"، "ضيعة ضايعة"، "إخوة التراب"، "غزلان في غابة الذئاب"، "الولادة من الخاصرة"، "نهاية رجل شجاع"، "الفصول الأربعة"، "الهيبة".... وغيرها) قد صارت جزءاً من ذاكرتنا، بل جزءاً من تاريخنا، وقدمت صوراً نمطية صارت راسخة ومتجذرة في لاوعينا، ولن يستطيع أي مقال أو كتاب أو خطاب أو منطلقات نظرية أو فيلم وثائقي إزالتها.....
كل عمل درامي هو فعل سياسي، وان لم يكن في ظاهره كذلك، "مسلسل الهيبة" وكونه اعتمد في شخصيته الرئيسية على ممثل مشهور ومحبوب وموهوب، قدم صورة البطل- النموذج، صورة البطل- القدوة، سواء من حيث الشكل أو الممارسات أو حتى الالفاظ، هل نستطيع أن ننكر أن شخصية (جبل) صارت (قدوة)؟ وركزوا على كلمة قدوة، صارت قدوة لجيل كامل، وخاصة بين المراهقين، حيث تكون الفترة العمرية بدايات تشكل الوعي والشخصية؟!....
قلدها الجميع في تصفيفة الشعر، في شكل اللحية، في الألفاظ، في الممارسة والأخلاقيات، وتمنى الجميع أن يكونوا مكانه يمارسون مايمارس، لم يكترث أحد أنه زعيم عصابة، أنه خارج عن القانون، أنه مهرب، أنه تاجر ممنوعات، أنه زعيم ميليشيا، أنه لا يفك الحرف....
سوّق صناع المسلسل للشخصية من خلال إظهارها بمظهر المساعد الفقراء والضعاف، حتى الاسم (جبل) لم يكن صدفة، وهل من قمة وعلو وسمو فوق الجبل؟!... هذا جبلكم فاقتدوا به، هذا كان لسان حال صناع المسلسل، هذا هو المستقبل، والأنكى من ذلك وزيادة في التسويق، جعلوا أجمل الجميلات يتهافتن بل يتكالبن عليه، ولاننسى في هذا السياق الدور الذي يلعبه الكبت الجنسي في تكوين شخصيتنا الشرقية...
في سياق مواز، سوّق مسلسل "باب الحارة" صورة نمطية للمجتمع الشامي، والمرأة الشامية، هذه الصورة كأنها صارت تعميماً للمجتمع والمرأة السوريين، ولا داعي للإسهاب في شرح تلك الصورة السلبية التي قدمها المسلسل، لأن ذلك يحتاج إلى عدة مقالات.
لا أنكر أن مسلسل "كسر عضم" ذو قيمة فنية عالية، وذاك عائد بالدرجة الأولى إلى براعة وعبقرية واحترافية الممثلين السوريين، لدرجة أنك تشعر أنك أمام مشاهد حقيقية وليست تمثيلية. لا أنكر أن المسلسل يطرح قضايا جوهرية وحساسة وبحرأة كبيرة، ولكن مهمة الدراما الأولى هي حل مشاكل المجتمع وناسه، وليس بيع المجتمع وناسه في سوق الفرجة، مسلسل "كسر عضم" باعنا جميعاً في سوق الفرجة.
نحن مجتمعات تعود إلى ماقبل مفهوم الدولة، مازالت (ثقافة القبيلة) طاغية وحاكمة، حتى تاريخه لاتليق بمجتمعاتنا الديمقراطية، قبل أن نمارس الديمقراطية يجب أن نتعلم (ثقافة الديمقراطية)، ثقافة الديمقراطية تعني أن نجيد الاستماع، نحن نجيد التكلم ولكن لا نجيد الاستماع.... مجتمعات ماقبل الدولة، وحيث الانتماءات الضيقة أقوى من المواطنة، تحتاج إلى أعمدة وسقف حتى لاتتشظى، الأعمدة هي مؤسسة الجيش، والسقف هي مؤسسة الرئاسة، في المجتمعات حيث الدولة راسخة يقوم بهذا الدور الدستور والقانون، مسلسل "كسر عضم" كسر هيبة مؤسسة الجيش، لو أن المسلسل قدم ماقدّمه هذا الجيش خلال السنوات السباق من تضحيات جسام للحفاظ على هذه الدولة وهذه الجغرافيا، لكنا تقبلنا الإشارة إلى بعض الجوانب السلبية، المسلسل لم يقدّم الجيش كمؤسسة وطنية، وهذا أمر خطير، ومثلبة وسقطة كبيرة، بل قدمه على أنه مرتهن لمراكز قوى مافيوية. أعود وأكرر، عدا عن أن ذلك مجاف للحقيقة، هذا أمر جلل وخطير، وعودوا إلى ماقلته أعلاه عن الذاكرة والصورة النمطية....
تبنى المجتمعات بالقدوة، القدوة عامل أساسي في صياغة بنية وأخلاقيات المجتمع، تستطيع القدوة تسويق أي شيء، السيد الرسول عليه الصلاة والسلام لم يسمَّ بالصادق الأمين بعد أن أتته الدعوة، بل لأنه الصادق الأمين تم تكليفه بالدعوة، اختار الله سبحانه افضل قريش لنشر الدعوة.....
لم أكن يوماً ضد الرأي الآخر، لأنني أنا قد أكون يوماً ما "الرأي الآخر"، ولطالما كنت مع الحرية، ولكن الحرية المرفوعة الأنف، والأنف فقط......