الحروب بالوكالة و العقل الأمريكي!
خالد فهد حيدر- فينكس:
نعلم و إلى حد كبير كيف تدار دفة الولايات المتحدة الأمريكية و فرادة نظامها السياسي من حيث الآليات التي تحكمه، فرئيسها ينتخب وفق قواعد طاولة القمار! نعم طاولة القمار حيث مبدأ الفائز له كل شيء، إذ وفق هذه القاعدة قد يحصل مرشح على مجموع عدد أصوات أكثر من منافسه لكنه لا يفوز لأن الرئيس الأمريكي ينتخب من مجمع انتخابي يضم المندوبين عن الولايات و فق قاعدة من يحصل على الأكثرية فوق ٥٠ % يأخذ حزبه جميع مقاعد الولاية، و هذا فريد بين الأنظمة السياسية. أما السياسات و الاستراتيجيات من يضعها و خاصة المرتبطة بالأمن القومي؟ فإن الإجابة على هذا السؤال بحد ذاته قصة طويلة، و ربما مصطلح الدولة العميقة و قبلها المجمعات الاحتكارية الكبرى و يليها مصطلح اللوبيات (من لوبي) بمجموعها هي من يحكم و من يدفع بالواجهات المتمثلة بالحزبين و بمجلس النواب و الكونغرس، و الأهم و الأخطر هو العقل الأمريكي الذي يفكر بطريقة متفردة تحكمها البراغماتية بأبشع صورها و التي من أهم مبادئها "الغاية تبرر الوسيلة" التي ربما اقتبستها من "نيقولا ميكافيلي" الأستاذ الأول لمعظم سياسي العالم شرقاً و غرباً.
في العقود الأخيرة نهجت الولايات المتحدة الأمريكية بإداراتها المتعاقبة منهجا يمكنني اعتباره امتداداً لجوهر العقل الأمريكي من حيث إدخالها آليات جديدة في التعاطي مع عموم التحديات التي تواجهها في مختلف المجالات، فمثلاً كما نرى بأن الولايات المتحدة قد وصلت -و لعوامل عديدة- إلى حالة من العجز عن خلق معدلات نمو متسارع كما في ماضيها القريب، فكان الذهاب إلى ابتكار مبدأ في التعاطي مع الخصوم و سواهم، فـ"اجترحت" صيغ إرباك الخصوم و الحد إن لم يكن منعهم من التطور، و بالتالي خلقت منذ أكثر من عقدين فكرة الفوضى الخلاقة و تغيير الأنظمة و التدخل المباشر تحت ذرائع حقوق الإنسان و غير ذلك، و دفعت إلى نمط من الحروب عُرفت بحروب الجيل الرابع و التي تستثمر فيها فضاءات العولمة و التقدم التكنولوجي و خاصة في مجال المعلومات و الأهم و الأخطر الإعلام الذي دفعت فيه ليصبح جزءاً لا يتجزأ من آلة الحرب و القتل، و طبّقته في أوربا الشرقية و لا تزال، و في دول الوطن العربي و المنطقة عموماً، و حتى الصين لم تسلم من تأثيراتها.
أما النموذج الأمريكي الذي نهجته الإدارات بسياساتها و إنفاذاً للتقارير السنوية للأمن القومي، فقد تمثّل في إشعال الحروب في أكثر من منطقة و الدفع بجحافل من المقاتلين غير الأمريكيين من منظمات و حركات (داعش و قبلها القاعدة)، و أكثر من ذلك الدفع بجيوش دول للقتال و الهدف هو الصالح الأمريكي في المقدمة، و ربما (حرب اليمن) التي دفعت بها أمريكا و بتشابك عضوي مع تل أبيب لدرء الخطر المتوقع عن باب المندب و المنطقة عموماً، ليدمّر اليمن دون هزيمته و لتوفر إرادة يمنية وصلت حد المعجزة، و استنزاف مالي هائل لدول المنطقة المستفيد الأول منه مجمعات الصناعة العسكرية الأمريكية أولاً، و هكذا يعمل العقل الأمريكي لتتجسد البراغماتية بأقذر صورها.