من أين نأكل خبزنا؟ قنبلة الغذاء القادمة

عبد الرحيم أحمد- فينكس:

يشكل القمح أساس السلة الغذائية في وطننا العربي الذي يقال أن زراعته انطلقت منه (منطقة الهلال الخصيب) قبل آلاف السنين، ورغم ذلك تشكل الدول العربية اليوم أحد أكبر المستوردين للأقماح في العالم، ولم تحقق أي دولة عربية الاكتفاء الذاتي منه رغم تطور زراعته، باستثناء سورية خلال سنوات ما قبل الحرب الإرهابية التي شنت عليها عام 2011.
وبالرغم من سعي معظم الدول العربية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح غير أنها مازالت بعيدة عن تحقيق هذا الهدف، فقد زادت مصر مثلاً إنتاجها السنوي من (4.2 مليون طن عام 1990 إلى 9 ملايين طن 2021) لكن احتياجاتها السنوية تصل إلى 22 مليون طن وكذلك المغرب من (3.6 مليون طن عام 1990 إلى 7.5 مليون طن 2021) والعراق من (1.5 مليون طن عام 1990 إلى 4.5 مليون طن 2021) والجزائر من أقل من (1) مليون طن إلى 3.6 مليون طن عام 2021) وسورية من 2 مليون طن عام 1990 إلى 4 ملايين طن عام 2013 وتراجعت بفعل الحرب والجفاف إلى 1.2 مليون طن عام 2021) .
وبحسب الإحصائيات الدولية التي ينشرها موقع (إندكس موندي) المتخصص بالصادرات والواردات وغيره من المواقع المختصة، ما تزال أكثر من 6 دول عربية بين كبار مستوردي القمح في العالم، فمصر على سبيل المثال تتصدر عالمياً قائمة الدول المستوردة للقمح وبكمية تبلغ (13) مليون طن سنوياً تليها عربياً الجزائر (الخامسة عالمياً) بحوالي(7.7) مليون طن فالمغرب(المرتبة 14عالمياً) بأكثر من (5) ملايين طن فاليمن بكمية(3.6) مليون طن، والسعودية بكمية(3.5) مليون طن فالعراق بكمية(2.6) مليون طن والسودان بأكثر من (2) مليون طن فتونس والإمارات العربية المتحدة بأقل من (2) مليون طن بقليل فليبيا بنحو(1.4) مليون طن فلبنان والأردن بأكثر من مليون طن بقليل وسورية تحولت مؤخراً إلى مستورد بفعل الحرب بنحو 900 ألف طن.
هذه الأرقام تقودنا للقول أنه ورغم القفزات النوعية التي حققتها بعض الدول العربية في زراعة وإنتاج القمح، إلا أنه ما يزال هناك فارق كبير بين إنتاج تلك الدول واحتياجاتها، ما يشكل في المستقبل قنبلة غذائية قد تنفجر في أي لحظة مع الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار الغذاء في العالم مع ندرة الإنتاج بشكل عام والتبدل المناخي وسنوات الجفاف، في حال لم تتحرك الحكومات للاستثمار في زراعة القمح كأولوية.
فالساحة الدولية تشهد اليوم توتراً بين روسيا وأوكرانيا وهما من أكبر مصدري القمح في العالم، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار القمح عالميا خشية تعطل أسواق القمح جراء هذا التوتر، فماذا يحصل إذا ما نشبت الحرب مثلاً؟ وماذا سيحصل لسوق القمح والغذاء في العالم؟
يكشف عضو غرفة الحبوب باتحاد الصناعات المصري، وليد دياب لوكالة سبوتنيك عن تأثر مصر بارتفاع أسعار القمح الناجم عن الخلاف الروسي الأوكراني، حيث أكد أن أسعار القمح ارتفعت من 230 دولار للطن الواحد إلى 320 دولار، وفي حال استمرار الأزمة وتفاقمها سيؤثر ذلك على الإمدادات مع مزيد من ارتفاع الأسعار وتكاليف الشحن. حال مصر يشبه حال جميع الدول العربية التي تستورد القمح والغذاء.
لقد حذرت منظمة الأغذية العالمية (الفاو) في تقرير نشرته مطلع العام الجاري من أن العام 2022 يواجه أزمات غذائية حادة تصل حد الجوع في عدد من مناطق العالم ولاسيما المناطق التي تعاني من حروب وصراعات تتركز في وسط أفريقيا وفي أسيا، من بينها السودان واليمن فيما لا تزال سورية ضمن المناطق المعرضة للأزمات الغذائية بسبب الحرب والجفاف.
وقد أظهر تقرير رسمي للأمم المتحدة عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2021 أن 12% من سكان العالم ما يعادل (928 مليوناً) عانوا من انعدام الأمن الغذائي الشديد (الجوع) عام 2020 بزيادة 148 مليوناً عن عام 2019، توزع أغلبهم على قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.
عربياً، تتعرض المنطقة لتبدل مناخي كبير مع موجات جفاف تكررت في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يستدعي منها التركيز على الزراعات الإستراتيجية والتشارك في دعم تطوير هذه الزراعات بين الدول العربية والتبادل البيني للسلع الزراعية وزيادة الاستثمار في المجال الزراعي وإيجاد طرق وبدائل لتأمين مياه الري التي تشكل 60% منها من مصادر خارجية عبر الأنهار الدولية والتي تتعرض لعمليات ابتزاز من دول المنبع كما تفعل تركيا بنهري دجلة والفرات وأثيوبيا بنهر النيل.
أما في سورية فقد تضررت الزراعة لعدة أعوام بفعل الحرب والإرهاب ومغادرة الكثير من الفلاحين أرضهم بحثاً عن الأمان في ظل سيطرة الإرهاب، ولكن مع تحرير مناطق واسعة من الأراضي من سيطرة الإرهابيين وعودة الأهالي إلى أراضيهم الزراعية وإصلاح العديد من مشاريع الري بدأت الزراعة تستعيد عافيتها بالرغم من سرقة ميليشيا "قسد" المدعومة من الاحتلال الأمريكي نحو 70% من محصول القمح سنوياً وتهريبه للخارج.
وقد أعلنت وزارة الزراعة هذا العام أنه تمت زراعة أكثر من 1161000 هكتاراً بالقمح في من إجمالي المخطط البالغ 1503068 هكتاراً وبنسبة تنفيذ 77 بالمئة منها 547916 هكتاراً مروياً وبنسبة تنفيذ 91 بالمئة ونحو 613882 هكتاراً بعلاً بنسبة تنفيذ 68 بالمئة. ويأمل السوريون أن يكون العام الحالي موسم خير يغنيهم عن الاستيراد لتستعيد سورية اكتفائها الذاتي.