لعنة الناتو على الغرب..!
2022.02.20
عبد الله منيني- فينكس
س: لا تزالُ نذُرُ الحربِ والسلم مُتساوية بينَ "روسيا الاتحادية" و"أوكرانيا"، شرارتُها مدى استجابةُ الغرب للمخاوفِ الروسيّة المُتعلّقة بخططِ تمدُّدِ الناتو، والاستجابة إلى الضّماناتِ الأمنيّة التي عرضَتها "موسكو". فروسيا تُطالب "حلف شمال الأطلسي" أن يتخلّى عن سياسةِ التوسُّع، بما في ذلكَ ضمُّ أوكرانيا (إلى الحلف)، إذ تدعو "موسكو" الناتو إلى ضرورةِ التخلّي عن أيِّ نشاطٍ عسكريّ خارجَ حُدودِها - في أوروبا الشرقية ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى-، وبخاصّة في "أوكرانيا". كما طلبت منَ الحلف عدمَ نشرِ أسلحةٍ إضافيّة، ووحداتٍ عسكرية جديدة خارجَ البلدانِ التي كانت تتمركزُ فيها قبل مايو /1997/ (قبلَ ضمِّ دُولِ أوروبا الشرقيّة إلى الناتو).
"أوكرانيا" لم تُراعِ هذهِ المخاوف، بل أصبحت رأسَ حربة، و شريكاً أساسيّاً في استهدافِ "موسكو" بحدود مُشتركة تمتدّ لأكثرَ من /1200/ كم مربع، أمّا حكومتُها فقد باعَت نفسَها للغرب، وسعَت إلى تدويلِ الأزمة الرّاهنة والاستقواء بِـ "حلف الناتو".
تحوّلاتٌ وأحداث حصلت في "أوكرانيا" تُنذرُ بتغيُّراتٍ جوهريّة ربّما تُطيحُ باتفاقيةِ "مينسك" لعام /2015/، فتُشعلَ فتيلَ الحرب.
جُملةٌ منَ القراءاتِ والتحليلات ضجَّت بها وسائلُ الإعلام كافّة حولَ أسبابِ الحدثِ الأوكرانيّ و ومآلاتِه، والعديدِ منَ المسائلِ المُرتبطة به، وهوَ الحَدثُ الأهمّ ضمنَ مجموعةٍ منَ الأحداثِ القديمة المُتجدّدة في سيناريو الصراع الأمريكيّ الغربيّ معَ الاتّحاد الروسيّ.
منَ الطبيعيّ أن نجدَ اختلافاً في أوجُهِ هذهِ القراءاتِ والتحليلات استناداً إلى الزاويةِ التي يبحثُ من خلالِها الكاتبُ أو المُختصّ، وكذلكَ المُهتمّ، فلكلِّ حدثٍ صورةٌ مُختلفة ومُتعدّدة يرتبطُ كلٌّ منها بأصولِ الحدث كما تاريخهِ وأسبابِه، والأهمّ أن نناقشَ دورَ اللاعبينَ في هذا الحدث، فشخصيّةُ رؤساءِ الدُّوَل تنعكسُ حُكماً على أداءِ الدولة ودورِها، وقراراتِها، ومُستقبلها.
وتبقى الإنجازات ثابتة في وُجدانِ الشُّعوب، وبخاصّة إذا ما تجاوزَت هذهِ الإنجازات التأثيرَ المحلّي، وصولاً إلى التأثيرِ العالميّ تحقيقاً لمصالحِ المُجتمع الدوليّ وتوازنِه، وصونِ حُقوقِ الشُّعوبِ ومُكتسباتِها، وبناءِ الدولة القويّة الفاعِلة والوازِنة. فكيفَ إن كانَ كلُّ ذلكَ وصولاً إلى إنهاءِ قطبيّةِ دولة كالولاياتِ المُتّحدة الأميركية في إطارِ ميثاقِ الأمم المتّحدة والقانون الدولي المُعاصر؟.
لنقِف عندَ اللحظة التي أسَّست لهذهِ المرحلة، ولنعُد إلى محطّةٍ مُهمّة من محطّاتِ الصّراعِ الأمريكيّ الغربيّ الروسيّ، تلكً المحطّة التي مضى عليها (15)عاماً، وهيَ خِطابُ الرئيس "بوتين" في مؤتمرِ ميونخ للأمن في العاشرِ من فبراير/شباط 2007م، حينَ وجّهَ الرئيسُ الروسيّ في خطابهِ أمامَ مؤتمرِ "ميونخ" انتقاداتٍ شديدة إلى الغرب، وأكّدَ أنَّ أنموذجاً أحاديَّ القطب لم يعُد مُمكِناً في العالمِ المُعاصر، كما حمّلَ "بوتين" في خطابهِ الدولَ الغربيّة - وفي مُقدّمتها "الولايات المتحدة الأميركيّة"- المسؤوليّةً في مُحاولةِ فرضِ معاييرَ خاصّة بها على دول أخرى، مُشدّداً على ضرورةِ أن يكونَ ميثاقُ الأممِ المُتّحدة الآليّة الوحيدة لتبنّي قراراتٍ بشأنِ تفويضِ استخدامِ قوّةٍ عسكريّة (أظنُّ أنَّ أنموذجَ أحاديّةِ القطب ليسَ فقط غيرَ مقبولٍ للعالمِ المُعاصر، بل وغيرَ مُمكنٍ أبداً، وليسَ فقط لعدمِ كفايةِ الموارد العسكريّة ــ السياسيّة والاقتصاديّة لدى الزعامة الانفراديّة في العالمِ المُعاصر بالذات، بل لأمرٍ آخرَ أهمّ، وهوَ أنَّ الأنموذجَ نفسَهُ يُعدٌّ غيرَ قابلٍ للعمل لعدمِ وجودِ أساسٍ (أخلاقيّ ــ أدبيّ) للحضارةِ المُعاصرة، ولاستحالةِ وجودِه) مُقتبس من خطاب عام /2007/.
خِطابٌ يُوصَف أنّهُ الأقسى منذُ حقبةِ الحربِ الباردة، إلّا أنَّ تطوّراتِ الأحداث فيما بعد أثبتت صِحّةَ خِطابِ "بوتين"، وما حملهُ من انتقاداتٍ للغرب، وتحديداً استمرار تمدُّد "حلف الناتو" صوبَ روسيا (إذاً، شِمال الأطلسيّ يدفع قوّاتهِ الأماميّة نحوَ حُدودِنا الدوليّة، بينما نحنُ ننفّذ المُعاهَدة بحذافيرها، ولا نقومُ بردّةِ فعلٍ على هذهِ الخُطوات).
(..أعتقد بأنّهً لا علاقةَ بتاتاً لمسارِ توسيعِ ال«ناتو» بتحديثِ هذا الحلف أو بضمانِ أمنِ أوروبا. وعلى العكسِ من ذلك، إنّهُ يُخفّضُ مُستوى الثقة المُتبادلة، ولدينا حقٌّ مشروع بالتساؤلِ صراحة: ضدَّ مَن هذا التوسُّع؟ وماذا جرى للتأكيداتِ التي أعطاها شركاؤنا الأوروبيّونَ لنا بعدَ حلِّ حلف وارسو؟ أينَ هذهِ التصريحات؟ لا أحدَ يتذكَّرُها حتى. غيرَ أنّي أسمحُ لنفسي بتذكيرِ الحاضرينَ بما قيل، وأريدُ إيرادَ اقتباسٍ من خطابِ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي السيد "فيرنير" في بروكسِل في (11) أيار/1999/، فقد قالَ حينئذٍ: «إنَّ القولَ باستعدادِنا لعدمِ نشرِ قوّاتِ الـ«ناتو» خارجَ أراضي "جمهوريّة ألمانيا الاتحادية" يمنحُ الاتّحادَ السوفياتي ضمانةَ أمنٍ راسخة»، أينَ هيَ هذهِ الضمانة؟) مقتبس من خِطاب عام /2007/.
وبعدَ عامٍ منَ الخطاب بدأَ الحلف السعيَ لضمِّ "أوكرانيا" و"جورجيا"، ما أسهمَ في زيادةِ التوتّر بينَ البلدين. ونستذكر تصرُّفات "جورجيا" عامَ /2008/ التي تسبّبت بحربِ "أوسيتيا الجنوبية" والتي بدأت يومَ (8 أغسطس عام /2008/ بهجومٍ عسكريّ من "جورجيا" على مُقاطعتي "جنوب أوسيتيا" و"أبخازيا"، وبعدَها قامت القوّات الروسيّة بهجومٍ مُضادّ سريع على "جورجيا"، وهوِ ما حذّرَ منه "بوتين" قبلَ سنوات. ومنذُ ذلكَ الحين ضمَّ الحلف أربعَ دول، هيَ "ألبانيا وكرواتيا" في ما يُسمّى بالموجة السادسة، و"الجبل الأسود" في الموجة السّابعة، أمّا الموجة الثامنة فضمّت "مقدونيا الشماليّة".
لقد حدّدَ الرئيس "بوتين" منذُ عام /2007/ في خطابهِ المشهور في "ميونخ" مسارَ العلاقاتِ الروسيّة الغربيّة وخُطوطِها الحمراء، إلّا أنَّ الغرب لم يستطِعِ الحفاظَ على العلاقاتِ مع "روسيا"، فهوَ الغربُ السائر خلفَ الولايات المُتّحدة الأمريكية، والتابع المُطيع لها.
إنَّ المنطِقة لا تتحمّل تِبَعاتِ حربٍ ربّما قد تنشأ بينَ "روسيا وأوكرانيا"، وبخاصّة أنَّ الخاسرَ الأكبر هيَ "أوروبا" التي ستدفعُ ثمنَ هذا التهوّرِ غيرِ المَعقول. ومنَ اللافت الموقفُ الألماني البعيد عن تصرُّفاتِ الغرب، فألمانيا (المُستهلك الأوّل للغاز الروسيّ) تعلم تماماً ماذا تعني هذهِ الحرب وتأثيرها المُدمّر على الغربِ أولاً.