الإدارة بالهيستيريا

 شوكت أبو فخر– فينكس

المجتمع العالمي بأكمله، مصاب اليوم بما يسمى في التوصيف  النفسي والاجتماعي (الهيستيريا الجمعية) أو (العدوى الهيستيرية) أو السلوك المضطرب الجماعي والتي تنتشر غالباً في أوقات الحروب والكوارث، وما أكثر الحروب والكوارث في عالم اليوم.

أنظار العالم مشدودة إلى أوكرانيا، تلك البقعة من العالم، حيث أجواء التوتر المتصاعد، روسيا تطالب الغرب بضمانات أمنية بخصوص عدم قبول انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "ناتو" أو تمدد الحلف شرقاً لأن ذلك يهدد أمنها، بينما الغرب يحدد ساعة "الغزو" الروسي ويتخذ إجراءات توحي بأن الحرب واقعة لا محالة.

"الهستيريا الأميركية" تبقى سيدة الموقف، وهي بلغت "ذروتها" بعد الاتصال الهاتفي، بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ونظيره الأميركي جو بايدن بخصوص الأزمة الأوكرانية، وتالياً أوصلت الأمور إلى ما هي عليه.

وقد كانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا واضحة بقولها إن واشنطن هي التي تقوم بإدارة واختلاق الحملة الإعلامية غير المسبوقة، حول هجوم روسي مزعوم على أوكرانيا. أضافت زاخاروفا: "جميع الوسائل الغربية التي تقدم نفسها على أنها مستقلة كشفت وجهها الحقيقي من خلال تقديم القصة التي اختلقتها واشنطن".

المسؤولة الروسية سخرت من التقارير التي تتحدث عن غزو روسي لأوكرانيا في الـ 16 من الشهر الجاري داعية إلى وجوب التعامل مع الأمر على أنه "نوبة هيستيرية".

عالم  اليوم هو بلا شك، عالم متفلت من القوانين، تحكمه المصالح، ويتحرك الكثير من قادته بهيستيريا تجني دول العالم نتائجه الكارثية، شاهدنا مثل هذه الهيستيريا في الأيام الأولى لانتشار كورونا، ونشاهده اليوم بخصوص أوكرانيا، ومن غير المستبعد أن تتجدد فصول هذه الهيستيريا طالما أن العقلية المتحكمة هي نفسها.

بخصوص الموضوع الأوكراني، لقد تطاول الغرب كثيراُ على روسيا، انطلاقاً من عقدة الاستعلاء التي يعاني من يشعرون بأنهم "أرباب النعم" ، القادرون فقط على تحقيق الاستقرار والأمن والسلم العالميين، يتوسعون في أحلافهم العسكرية إلى مشارف الحدود الروسية، ينصبون الصواريخ، ويتعاملون مع الشعوب الأخرى على أنها متخلفة تنتظر العطاء، لم يتركوا وسيلة لمحاصرة روسيا وشل قدراتها، لكن موسكو اليوم غير موسكو قبل عقود، حفظت الدرس، بعد أن لدغت، ولن تسمح بتكرار تجارب الماضي البعيد والقريب، وما يحدث في أوكرانيا يعيدنا إلى 2003 وذرائع واشنطن لغزو العراق، وإلى الهيستيريا الغربية لغزو ليبيا والكل يتذكر الهيجان الهيستيري غير مسبوق بخصوص العراق وامتلاكه أسلحة الدمار الشامل وكيف قدم وزير خارجية أمريكا آنذاك كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي دلائل ومعلومات مزيفة اعترف هو نفسه بعد الغزو بأنها كانت مفبركة.

والحال فإن الصراع الأميركي- الروسي في أوكرانيا، سوف يلقي بظلاله على العالم أجمع، ونحن لسنا بمنأى عما يحدث، فالملف السوري، الذي شهد، من قبل، توافقاً أميركياً روسياً على وضعه، كما عبَّر عنه غير بيترسون، المسؤول الأممي ضمن استراتيجية "خطوة في مقابل خطوة". ينتظر اتضاح الرؤية وما سوف تسفر عنه الأمور بين موسكو وواشنطن بخصوص الملف الأوكرني الضاغط بقوة على موسكو .

بمعنى أننا سنكون أمام موجة جديدة من الهيستيريا الأميركية، واستعراض العضلات، أو بمعنى آخر حرب باردة جديدة لفرض القوة والنفوذ، وسوف ينعكس هذا على جميع الملفات الساخنة حول العالم ومن بينها الملفات العربية في  سورية والعراق واليمن ولبنان وليبيا والسودان.

كل المؤشرات تؤكد عزم موسكو على حسم المواجهة في أوكرانيا لمصلحتها، سلماً أو حرباً. وطريقة الحسم هي التي سترسم آليات تحوّل المشهد السوري الداخلي، ومداه الزمني، وخصوصاً إذا ما ترافق مع العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، الذي سيغيّر مشهد المنطقة بأكمله وسننتظر لنرى.