نقولها في الوطن لا عليه

شوكت أبو فخر- فينيكس

طبيعة البشر مجبولة على الاختلاف والتنوع، في العادات والمعتقدات وأنماط التفكير، ورغم هذه المسلمات، فنحن السوريون، نتفرد في التغني بهذا، وممارسة نقيضه، و قد لا يوجد من هو "أشطر " منا في اختلاق الموضوعات الخلافية.
كم نحن بارعون في "النكش" و"النبش" في ثنايا المفردات لكي نصل إلى إطلاق الأحكام والصفات بحق بعضنا بعضاً، وكأننا نملك صكوكاً في الملكية بهذا الوطن، ونغار عليه لدرجة نرفض أن يشاركنا أحد في حبه، إذا لم يكن على مزاجنا.. بل يذهب البعض أبعد من ذلك ويطالب صاحب التصريح أو صاحب وجهة النظر بالاعتذار، وهناك مَن يذهب أبعد وأبعد، مطالباً بالمحاكمة، ومحدداً نوع الجرم ومواد القانون، ومدة العقوبة..
محزنة الحال التي وصلنا إليها، لدرجة بتنا نتوقف عند تصريح لفنان أو رياضي، أو صحفي، لا بل نسمي ذلك "عاصفة"..
كان يمكن لمثل هذه التصريحات أن تمر كغيرها، ولا تعدو كونها موقفاً شخصياً، قد يحمل وجهة نظر في أمور حياتية تمسنا أو في نقد سياسة ما، وهذا لا غبار عليه طالما الحديث يتم تحت سقف الوطن وفي وسائل إعلامه ويحترم مؤسساته ورموزه... لن ندخل في تعداد الأسماء، نتحدث عن ظاهرة، حيث لم تعد المشكلة فقط بتقبل الآراء عند اختلاف وجهات النظر، بل أصبح من “يخالف” يتعرض للهجوم والإقصاء، فضلاً عن شن وابل من الاتهامات عليه، ويصل الأمر إلى تخوينه والتنمر عليه والتقليل من شأنه. هذا الأمر لا يتوقف فقط على لقاء عبر وسيلة إعلامية، بل يصل إلى منصات التواصل الاجتماعي التي عززت من غياب ثقافة تقبل الرأي الآخر، وأصبحت مساحة لشن الحملات على من يخالف رأي المجموعة أو يقرر أن يُعبّر عن رأيه ووجهة نظره كما يراها هو.
مع كل مرة تثار فيها مثل هذه " العواصف" غير المبررة تقام الدنيا ولا تقعد..! و نرى أننا مازلنا داخل الحلقة المُفرغة، ودورات متتالية لن تتوقف، رغم أكثر من عَقد من الحرب، التي من المفترض أن تدفعنا للتفكير خارج الصندوق. فالوطن للجميع، ولا يجوز تخوين البعض، أو اتهامهم بالعمالة، لمجرد إبداء رأي، أو وجهة نظر أو مقاربة لموضوع داخلي، لا عجب أن يختلف الناس في آرائهم وتفكيرهم ونظرتهم، فالاختلاف جزء من طبيعة البشر وليس سراً حالنا اليوم لجهة اضمحلال هامش تقبل الرأي الآخر. ولكي نكون منصفين وعلى قدر من الدقة فإن ما نحن فيه ليس كله بسبب الحرب، لأن هذه الأخيرة عززت ووسعت ما كان قائماً، بمعنى نحن في الأساس لم نكن لنتقبل رأياً آخر فكيف والحالة الراهنة التي نحن فيها اليوم؟
ثقافة تقبل الرأي الآخر للأسف أمر لم نعتد عليه، وليس لدينا مثل هذا الإرث في تقبله وقبوله، وهذا له أسبابه الذاتية والموضوعية التي من شأنها أن وصلنا إلى ما نحن فيه وهذا كان جزءاً من الحديث محل "العاصفة" الأخيرة.
كم هي مثيرة للاستغراب تلك الحملات الشعواء التي تثار بحق شخصيات يكن لها الجميع الاحترام ولم تكن يوماً إلا محل احترام؟ لكن لمجرد رأي يُنسف كل تاريخها ومواقفها، وباتت محل إدانة واتهام من قبل الأوساط الشعبية.. علماً أنه من حقها وحقنا جميعاً أن نتحدث في السياسة، فنحن مجبولون على هذا على الأقل منذ ما يزيد على نصف قرن، ولا داعي للتذكير بما قاله الرئيس الراحل شكري القوتلي يوما للرئيس جمال عبد الناصر، بعيد توقيع اتفاق الوحدة، تلك المقولة التي تداولناها كثيراً وتعكس هوسنا وشغفنا بالسياسة.. وقد زادت العقود السابقة هذا الهوس اتساعاً نظراً لغياب الأحزاب السياسية القوية والفاعلة، ما جعل مثل هذه المنابر وسيلة للتعبير.
ما جرى مؤخرا من حوار شيق وجميل على وسيلة إعلام سورية محلية في برنامج جماهيري ومتابع، هو إشارة جميلة يجب أن نلتقطها وندعمها ونشجع على أداء إعلامي ومهني كهذا.. فحق التعبير عن وجهة النظر في القراءة السياسية لتاريخ هذا الوطن مسموح، ولنا الحق في أن نتفق أو نختلف، لكن لا يحق لنا، أو لأحد أن يشكك بوطنية صاحب وجهة النظر هذه، ولطالما شهد إعلامنا أصواتاً قوية، قالت كلمتها بجرأة، ربما سينبري البعض ليقول لكن الوطن الآن في حالة حرب، ويمر بتحديات وظروف استثنائية ويجب علينا أن نلتف حوله.. لهؤلاء نقول: هل الالتفاف حول الوطن هو بمصادرة حرية التعبير داخل الوطن ثم وطننا بخياراته لم يكن يوماً إلا محل استهداف. لذلك فإن وقوفنا إلى جانب وطننا يكون بإعلاء الرأي ضمن الوطن. فهذا هو رأيي..