عن أسماء كفتارو ومحمد حبش

أنس جودة

أعرف أسماء كفتارو وعائلتها منذ طفولتي، وأعرف محمد حبش منذ سنوات طويلة. ولذلك فإن ما يجري اليوم يمس أشخاصاً أعرفهم، لكن ما يدفعني إلى الكتابة يتجاوز العلاقة الشخصية إلى سؤال أوسع: كيف نتعامل مع المختلف، وهل نقبل حقه في البقاء والعمل داخل المجال العام السوري؟
ليس مهماً بالنسبة لي أن أعرف ماذا يوجد في فيديو خاص بمحمد حبش، ولا أرى أن من حقي أصلاً أن أعرف. الحياة الخاصة ليست مادة للنقاش العام، وتسريبها وتحويلها إلى وسيلة للتشهير لا يصبح مشروعاً لأن صاحبها شخصية عامة. وما بلغته الحملة من ابتذال ونذالة يجعل الدخول في مضمون هذه المادة مشاركة في الغاية التي تم من أجلها أُخرجت إلى العلن.
المهم هو السياق.
محمد حبش وأسماء كفتارو لم يغيبا عن الشأن السوري خلال سنوات الحرب، وإن مارسا جزءاً كبيراً من نشاطهما من الخارج. الجديد اليوم هو عودتهما إلى الداخل وإلى العمل في المجتمع ضمن المساحة الواقعة تحت سيطرة السلطة الجديدة.
وهذا فارق يتجاوز الجغرافيا. فالسلطات قد تحتمل الأفكار حين تبقى بعيدة، لكنها تصبح أكثر حساسية تجاهها عندما تتحول إلى عمل داخل المجتمع، ينتج حضوراً وعلاقات ومساحات مستقلة. فالعمل من الداخل، رغم كلفته، أكثر قدرة على إنتاج أثر فعلي؛ وما يقلق السلطة ليس الفكرة وحدها، بل قدرتها على التحول إلى فعل اجتماعي.
حين بدأت المواجهات في سوريا، اتخذ محمد حبش موقفاً سياسياً ضد النظام، ودعا إلى حل سياسي ومصالحة وطنية ورفض منطق الإقصاء. وحافظ على جوهر هذا الموقف عبر سنوات الحرب ومع تبدل موازين القوى وسقوط النظام وانتقال السلطة إلى خصومه.
حبش لم يبدل منهجه عندما تبدلت السلطة؛ الذي تبدل هو موقع الأطراف من السلطة.
ولهذا تصبح المواجهة، إلى حد بعيد، حكمية. فعندما يقوم تصور السلطة على إخضاع المختلف أو إخراجه من المجال، سيصطدم بها مشروع يقوم على الاعتراف بالمختلف والحوار معه، أياً تكن هوية هذه السلطة.
وهناك مستوى آخر يتعلق بعلاقة محمد وأسماء وعائلة كفتارو بالمؤسسة الدينية السورية. فهذا الصراع لم يبدأ اليوم، ولم يكن خلافاً فقهياً عابراً. قبل الانفجار السوري بسنوات كان هناك صراع حقيقي حول التجديد والاجتهاد وحقوق المرأة والتعددية وحدود سلطة المؤسسة الدينية التقليدية.
ورغم طبيعة النظام السلطوية، كانت توازناته تتيح هامشاً لهذا الصراع. لكن المعادلة تغيرت مع اشتداد المواجهة السياسية؛ احتاج النظام إلى المؤسسة الدينية وإلى شرعيتها الاجتماعية فانحاز إليها، وضاقت المساحة أمام الاتجاه الآخر. وتعرضت عائلة كفتارو كلها للتضييق ودُفعت تدريجياً خارج الحياة العامة والشأن الديني، إلى حد إقصائها عن إدارة مجمع الشيخ كفتارو رحمه الله، فلم يعد الأمر إدارة خلاف، بل اتجه إلى إنهاء وجود اتجاه كامل داخل المجال الديني.
واليوم يعود محمد وأسماء إلى العمل من الداخل، فتعود الأسئلة نفسها: أي إسلام نريد في المجال العام السوري؟ من يملك حق تفسير الدين؟ ما حدود الاجتهاد؟ ما موقع المرأة والتعدد؟ وهل السلم الأهلي يعني خضوع المهزوم للغالب، أم بناء مجال يستطيع الجميع البقاء فيه؟
ثم يأتي الإقصاء مرة أخرى، ولكن بأدوات مختلفة، وأكثر نذالة.
في السابق استُخدمت المؤسسة والسلطة والنفوذ لإغلاق المساحات وإبعاد الناس. أما اليوم فتتحول الحياة الخاصة نفسها إلى سلاح، والتشهير والإذلال الجماعي إلى وسيلة لإخراج شخص من المجال العام من دون مناقشة فكرة واحدة مما يقوله.
والأخطر أن تتحول هذه إلى طريقة مستقرة في إدارة المجال العام السوري: من يصعب إسكاته تُضرب سمعته، ومن يصعب إقصاؤه سياسياً يُقصى اجتماعياً. ولا يحتاج ذلك دائماً إلى قرار مباشر من السلطة؛ يكفي أن يصبح منطقاً مشتركاً بينها وبين القوى والشخصيات التي تتحرك في فضائها، داخل المؤسسة الدينية وخارجها.
الأشخاص والسلطات يتغيرون، والغالب والمهزوم يتبادلان المواقع، لكن آليات الإقصاء، إذا بقيت، تتحول إلى بنية تعيد إنتاج نفسها.
وربما لهذا كان العمل من داخل المجتمع، رغم كل كلفته، هو الأهم دائماً. فالمجتمعات لا تتغير فقط بالأفكار التي تقال عنها من بعيد، بل بالمساحات التي تُبنى داخلها وبقدرة المختلفين على البقاء والعمل معاً.
لهذا أتضامن مع محمد حبش وأسماء كفتارو، ومع حقهما في العمل داخل المجتمع السوري وقول ما يعتقدانه.
من لديه خلاف سياسي مع محمد فليواجهه في السياسة، ومن لديه خلاف معه أو مع أسماء في الدين فليواجههما بالفكر.
أما تحويل الحياة الخاصة إلى سلاح لإخراج الناس من المجال العام، فليس انتصاراً على محمد حبش أو أسماء كفتارو؛ بل ترسيخ لنوع المجال العام الذي يريد أصحابه بناءه لنا جميعاً.