سامية منذر الناصر، ابنة قرية بصير.. اغتيال التعايش
منصور المنصور
سامية منذر الناصر، ابنة قرية بصير، مختفية منذ التاسع عشر من تموز.
قد يظن البعض أن اختطاف سامية جريمة بحق امرأة واحدة فقط، لكنها في الحقيقة اعتداء على فكرة التعايش، على نموذج اجتماعي حافظت عليه حوران قرونًا طويلة.
اختطاف سامية منذر الناصر يشير الى أن هناك صراعا بين مشروعين. مشروع يرى الانسان مواطنا وشريكا، ومشروع لا يرى فيه إلا هوية دينية. سأحدثكم وبشكل مختصر جدا عن مسيحيي حوران، وبشكل خاص عن قرية بصير، التي منها سامية.
قريتي،جباب، تبعد عن قرية بصير ثلاثة كيلو متر. ليس هذا فقط، قريتي محاطة بقرى مسيحية. لم يسجل عبر تاريخ طويل، يمكن ان تقول مئات السنين، اي اعتداء او خلاف، ولو بسيط حصل، بين أي مسيحي او اي مسلم. بل يمكن أن ازعم أن المسيحيين في حوران كلها يتيمزون بالاندماج الكامل والشامل بتراث ثقافة وعادات حوران. بل هم نموذج لهذا التمثل. فاللهجة حوراينة، بل مغرقة في حورانيتها. العادات في الافراح والاحزان حوراينة. اللباس الحوراني التقليدي موجود وبقوة. الاغاني في الاعراس حورانية. كل مفردات حياتهم هي نابعة من طبيعة المجتمع الذي ينتمون اليه. لهذا يكاد يستحيل ان تميز المسيحي من المسلم.
قرية بصير، ما أن يدخلها المرء، حتى يشعر أنه اصبح في مكان اخر. شوارع منظمة ونظيفةـ تصطف اعمدة الانارة ذات النموذج الجميل. بيوت ن طراز معماري حديث، بشرفات تدعوك لتشرب القهوة. حدائق أمام البيوت منسقة ومرتبة بعناية. ترى اللمسات الفنية في تخطيطها وبنائها. هدوء يعم المكان، فلا ترى اطفالا سائبون في الشوارع.
اما عندما تدخل القرية القديمة، فأنت أمام لوحة غاية في الجمال. بيوت قديمة تمت المحافظة عليها كما يحافظ رمش العين على بؤبؤه. بيوت من الحجر الغشيم، أو البازلت، عمرها مئات السنين ما زالت قائمة. تمتد عبر أزقة تنظيفة ومرتبة. تشعر بحميمية المكانوالانتماء اليه. وتتمنى أن تجلس في فيء جدرانها. حافظوا على كل ما هو قديم وقاموا بترميمه. لم يهدم بيت قديم بسبب المخططات العمرانية والتوسع.
بصير قرية العلم. انهت أميتها قبل خمسين عاما. عشرات اساتذة الجامعات، ومئات الاطباء والمهندسين، رغم أنها قرية صغيرة. قرية توزع المعلمين والمدرسين على الجيران. إن دخلت ضيفا، تستقبلك امرأة بلباسها الحوراني، وترحب بك اجمل ترحيب مع ابتسامة جميلة، ودماثة في الخلق، واسلوب في التعامل غاية في اللطافة. تقدم لك الضيافة، الى ان ياتي الزوج او الاخ او ايا كان انت تقصده بزيارتك، ثم تكتشف أنها طبيبة أو معلمة أو مهندسة.
تجالس رجلًا مسنًا، فيحدثك عن السومريين والبابليين، ثم عن الغساسنة والمناذرة، واخر اكتشافات العلم.
من علم أبي، والجيل الذي قبله، قبل تسعين عاما كان من قرية بصير، من عائلة فلوح، للاسف نسيت اسمه. والجميل ان اهل قريتي بقوا حتى اللحظة مدينون له ولمعلمين اخرين اتوا من بصير.
ما يميز اهل قرية بصير دماثة الخلق وحسن المعشر والوفاء للعشرة، والتواضع والبساطة في الحياة.
حين تُختطف سامية من قرية كهذه، فإن المستهدف ليس شخصها فقط، بل الرسالة التي تحملها هذه القرية منذ مئات السنين، العيش المشترك، الانتماء الى سورية بعيدا عن الهويات الدينية
خطف امرأة شابة من قرية بصير، هو محاولة لضرب هذا النسيج المجتمعي، الذي لم يزل صامدا حتى الان.