هل تعود قوارب الموت السورية.. لتحمل الحياة؟
فراس حمدون
قراءة في مستقبل الجيل السوري القادم في أوروبا (مُدعمًا بشهادة من أرض الواقع)
في بحثنا المستمر لتفكيك السردية النمطية حول اللجوء السوري في أوروبا، والانتقال من قشور المشهد الإعلامي إلى لب الظاهرة الإنسانية، يصبح من الضروري موازنة التحليل العلمي بشهادات حية أخرى من قلب التجربة. ولكي تكتسب هذه القراءة بُعداً واقعياً يتجاوز التنظير، نستعين هنا برؤية وتجربة مهندس، يمثل الشريحة العمرية الأكبر للشباب السوري؛ إذ تلخص مسيرته مأساة جيل كامل وثقله الإبداعي في آن واحد، بدءاً من انشقاقه كضابط مجند انحاز لثورته، مراراً بالحصار الجائر في الغوطة، وصولاً إلى الأردن عبر عملية فرار خطيرة بإشراف الجيش السوري الحر و من إلى ألمانيا، ليندمج بكفاءة قياسية في سوق العمل بولاية "بايرن" -أقوى الأسواق الاقتصادية الألمانية- مستعيناً بقوة لغته التقنية الإنجليزية كمهندس معلوماتية ليتجاوز عقبة اللغة الألمانية في البدايات ويبني أسرته.
فيما يلي، نقرأ تفاصيل هذه التجربة بأبعادها النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية و يقول:
أولاً: سياق العبور القاسي وتحديات جيل التأسيس
إن أسباب خروج السوريين تختلف جذرياً عن سياقات الهجرات التاريخية الأخرى (كالهجرة التركية التقليدية أو هجرات أوروبا الشرقية)؛ فهي لم تكن هجرة اقتصادية طوعية، بل فراراً اضطرارياً من أتون حرب، وقصف، وموت، واعتقال.
الأثر النفسي وعقبة المجهول: خلفت هذه المشاهد العنيفة أزمات نفسية عميقة لا يمكن إنكارها، أثرت على حياة المهاجرين لاحقاً، ورغم أن الكثيرين تخطوها بوقت قياسي، إلا أنها ألقت بظلالها الثقيلة في بدايات الوصول، حيث وجد السوريون أنفسهم حرفياً أمام المجهول في بلاد غريبة تماماً.
خطورة الرحلة والنزيف المالي: تميزت طرق العبور بمخاطر وجودية؛ فإذا نجا المهاجر من الموت غرقاً في البحار أو قتلاً في غابات شرق أوروبا، لاحقه الرعب النفسي من العواصف والأمواج، وتهديدات السلب والنهب من قطاع الطرق. دفع السوريون في سبيل هذا الهروب كل ما يملكون بعد بيع مدخراتهم وبيوتهم، والبعض وقع تحت طائلة ديون ثقيلة استغرق سدادها سنوات طويلة من رواتبهم داخل أوروبا.
البيئة الحاضنة كعوض اقتصادي: تمثل العوض الجوهري في توفر فرص العمل، وحاجة السوق الألمانية الشديدة لكافة الكفاءات، سواء من أصحاب الشهادات العليا أو أصحاب المهن اليدوية.
ثانياً: المساوئ والتحديات المجتمعية والسياسية
على المقلب الآخر، واجهت التجربة السورية تحديات مجتمعية حادة شكّلت استثناءات أثرت على الصالح العام:
أزمة الاندماج والنفور الثقافي: لم يستطع قسم من السوريين تحقيق الاندماج نتيجة تصاعد حدة التعصب الثقافي والديني لديهم بعد الوصول. ولا يُقصد بالاندماج هنا قضاء الأوقات والإجازات مع المجتمع المضيف -فهذا أمر يخضع للميول الشخصية- بل العجز عن تقبل الآخر كإنسان، والوقوع في فخ النفور أو الكراهية لأصحاب البلاد لمجرد الاختلاف الثقافي والديني.
الارتداد السياسي الأمني: تسبب هذا النفور في حوادث فردية مؤسفة، أدت إلى تراجع رصيد الدعم الشعبي للاجئين؛ فانقلب المزاج العام في ألمانيا من مشهد الترحيب الحاشد في محطات القطارات عام 2015، إلى صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة لتتصدر استطلاعات الرأي .
الانقسام الداخلي الحاد: عجز السوريون عن بناء مجتمع مغترب موحد؛ نتيجة الانقسام السياسي العمودي بين مؤيد ومعارض للنظام السابق ، فضلاً عن الانقسامات الداخلية ضمن الفريق الواحد بين التشدد الديني وعدمه، وغياب الرغبة في التلاقي والتعايش المشترك.
ثالثاً: المحاسن والمؤشرات الرقمية للتفوق والتميز
رغم تلك التحديات، استطاع جزء كبير من السوريين، بفضل إصرارهم وتعطش السوق الألمانية، تحقيق قفزات قياسية في الاندماج الاقتصادي والمعرفي:
القطاع الطبي والرعاية الصحية: تمثل الجالية السورية اليوم أكبر جالية أطباء أجانب في ألمانيا (ممن لا يحملون الجنسية الألمانية)، وإذا ما أُضيف إليهم الأطباء المتجنسون ، يصبح العدد ضخماً ومثيراً للفخر، بالإضافة إلى النجاح الباهر لآلاف السوريين في قطاعات الرعاية الصحية والتمريض ودور المسنين.
لم يعد النجاح الطبي السوري مجرد أرقام عابرة، بل تحوّل إلى ثقل مؤسساتي حقيقي (لوبي طبي) يتزايد بشكل مستمر، بعد تقلد الكثير من الأطباء السوريين مناصب رؤساء أقسام ومديري مشافي وعيادات خاصة. ويتجلى نجاح هذا "اللوبي" حتى اليوم في تيسير وصول دفعات جديدة من الأطباء الخريجين من الجامعات السورية لمتابعة اختصاصاتهم في ألمانيا بطريقة منظمة ومنهجية للغاية، ضامنين استمرار وتدفق هذه الكفاءات وتوريث النجاح عبر الأجيال.
قطاع تكنولوجيا المعلومات والبرمجة: شغل السوريون نصيباً كبيراً في هذا القطاع الحيوي نظراً للنقص الحاد في العمالة الألمانية المحلية. وتؤكد التجربة الشخصية عمق هذا النقص؛ إذ إن وظيفةً تم الرفض فيها لي أول الأمر، بقيت شاغرة لسنتين كاملتين حتى تم تعيني فيها لاحقاً.
ومما يسهل الاندماج في هذا القطاع، اعتماد الشركات العالمية والمحلية على اللغة الإنجليزية، مما يخفف الضغط النفسي عن المهاجر السوري ويتييح له موازنة حياته والتعلم التدريجي للألمانية براحة وأمان.
المشاركة السياسية الناشئة: بدأ السوريون بوضع لبناتهم الأولى في العمل السياسي الألماني، عبر الوصول إلى مناصب محلية (كعمدة قرية صغيرة) أو كأعضاء في أحزاب وجماعات سياسية. ورغم أن دورهم الحالي ما زال ناشئاً وغير مؤثر في القرار الاستراتيجي للدولة أو الولاية، إلا أنه يعد إنجازاً ممتازاً قياساً بعمر الهجرة القصيرة.
خلاصة المحور: لقد نجح السوريون بامتياز في وضع موطئ قدم راسخ في سوق العمل الألماني بمختلف المجالات، واكتسبوا خبرات عالمية كبرى لم تكن لتتوفر لهم لو لم يشأ القدر أن يهاجروا من بلادهم.
رابعاً: معوقات الاستثمار والتشجيع الحكومي المطلوب في سوريا الجديدة
لكي تتحول هذه الخبرات المغتربة إلى طاقة إنقاذية لإعادة الإعمار، يبرز دور الدولة السورية ومؤسساتها في استيعاب هذه الثروة البشرية، وهو أمر لا يزال غائباً على أرض الواقع:
البيروقراطية وغياب القوانين المشجعة: لم يحن بعد وقت العودة الجماعية للسوريين؛ لأن القوانين البيروقراطية القديمة والمثبطة للهمم لا تزال جاثمة، وتفتقر البلاد إلى حزمة قوانين ثورية تشجع الاستثمار على غرار الطفرة الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد "تورغوت أوزال".
العقبات الدولية والتصنيف السياسي: لا تزال العقبات الاقتصادية قائمة؛ فالرفع النظري للعقبات على الورق لم يترجم إلى تدفق استثمارات أو دخول شركات كبرى تؤثر في الاقتصاد.
الحلول والبدائل القانونية والأمنية: كافح السوريون طويلاً لبناء حياة كريمة في أوروبا ولن يتخلوا عنها بسهولة، لذا يجب على الدولة السورية -كخطوة أولى- سن قوانين مرنة تضمن لهم سهولة إدارة استثماراتهم وأعمالهم في الداخل السوري عن بُعد، مع استمرار حياتهم الطبيعية في أوروبا.
ويتطلب ذلك تيسير خطوط الطيران المباشر بين سوريا وأوروبا، والأهم من ذلك كله: تسوية الأوضاع الأمنية للشباب الذين طالتهم تقارير وتهم كيدية جزافية نتيجة مواقفهم السياسية، إذ إن استمرار وجود أسمائهم على القوائم الحدودية يفرض عليهم منع السفر، ويقطع خطوط الرجعة نهائياً، ويصيبهم بالاحباط والدفع نحو القطيعة الأبدية مع الوطن.
خاتمة البحث: سيرورة التاريخ الحتمية
إن هذه الرؤية المتكاملة، والمستندة إلى عمق التجربة الميدانية لجيل الشباب، تثبت أن الهجرة السورية إلى أوروبا هي ظاهرة تاريخية مركبة؛ تحمل في طياتها ندوب الحرب وآلام الغربة والانقسام، لكنها تنبض في ذات الوقت بقيم الكفاح، والذكاء الفطري، والتفوق المهني.
إن المهاجر السوري الذي عبر "قوارب الموت" لم يترك وراءه شغفه بالحياة، بل حمل هذا الشغف ليصنع منه قصة نجاح علمي واقتصادي في المغترب.
وتظل النظرة الاستشرافية التي ترى في هؤلاء اللاجئين جزءاً من الحل للأزمات الاقتصادية والديموغرافية (السكانية) في أوروبا، هي رؤية تثبتها الدراسات العلمية المنهجية والأرقام الرسمية، وليست مجرد تنبؤات عاطفية.
ومع مرور أكثر من عقد على هذه الهجرة، يبقى الرهان كبيراً على أن هذا الجيل، متى ما توفرت له البيئة التشريعية والأمنية المستقرة في وطنه الأم، سيكون هو الحامل الحقيقي لمفاتيح النهضة وإعادة الإعمار،
لتتحول طاقات "قوارب الموت" القديمة إلى قنوات تضخ الحياة مجدداً في عروق سوريا المستقبل.