إلى صديقي الذي يعتقد أن مسار التحرر في سوريا منفصل عن المسار الفلسطيني
رولا ركبي
أنهيت مشاهدة فيلم “اللي باقي منك”، وبقي عالقاً في ذهني مشهد النزوح من يافا ٤٨… سيارات محمّلة بما تبقّى من حياة، ووجوه متعبة حدّ الإعياء.
هذا المشهد لم ينتهِ. لم يبقَ في الماضي.
هو نفسه يتكرر اليوم في لبنان، وتكرر قبله في سوريا: الطرق ذاتها، الخوف ذاته، والاقتلاع ذاته.
ليست مجرد صدفة مؤلمة، ولا تشابهاً عابراً بين حكايات مختلفة.
حين تتكرر المأساة بهذا الشكل، فهذا يعني أن هناك بنية واحدة للعنف، ومنطقاً واحداً يسمح باقتلاع البشر من أرضهم بلا محاسبة.
المعتدي واحد، والنتيجة واحدة: حياة تُحمَل على عجل، وبيوت تتحول إلى ذكرى.
والأخطر من ذلك، أن النضال السياسي، حين ينفصل عن جذره الحقوقي القائم على العدالة، يمكن أن يحوّلنا إلى أدوات في يد وحوش هذا العالم؛ يُستخدموننا حين تخدمهم قضايانا، ثم يرموننا فور انتهاء الحاجة.
قد تختلف الأسماء والتواريخ، لكن الحقيقة لا تتغير:
المعاناة لا تتجزأ، والعدالة أيضاً لا تتجزأ.
*****
تعقيب للكاتب أنس حمدون:
العزيزة رولا،
لو كنت افتراضياً مكان صديقك المعني بالمنشور لأجبت:
هناك فرق بين أن أنظر إلى الموضوع الفلسطيني بتعاطف كناشط مدني أو حقوقي، وبين أن أنظر إليه كسياسي. في الحالة الأولى، يمكن فهم العدالة كقيمة إنسانية عامة، مفتوحة على كل القضايا، حيث يصبح التضامن مع كل مظلوم موقفاً أخلاقياً بحد ذاته.
أما في الحالة الثانية، فالأمر مختلف: السياسة لا تُبنى على النوايا، بل على القدرة، وعلى حدود الفعل، وعلى ما يمكن تحقيقه فعلياً في واقع محدد. ومن هذا الموقع تحديداً، يظهر الخلاف مع فكرة أن العدالة تُفهم ككتلة واحدة لا تقبل التفريق.
سأنطلق من الفكرة التي طُرحت في الخاتمة، والتي أرى أنها تحتاج إعادة نظر: العدالة، في معناها السياسي، ليست التزاماً مطلقاً ومفتوحاً على كل الساحات، بل مسؤولية تتحدد بالسياق وبحدود القدرة على الفعل. لا يمكن أن تتحول إلى شرط شامل يُعلّق شرعيتها على تحققها في كل مكان، لأن ذلك يخرجها من مجال الفعل إلى مجال التجريد.
لا أستطيع، كفرد أو كمجتمع، أن أؤجل حقي في العدالة بانتظار تحققها في جميع القضايا العالمية. هذه فكرة فلسفية جذابة، لكنها عملياً تحوّل العدالة إلى أفق مؤجل دائماً.
المشكلة هنا في الخلط بين “القضية” و”القدرة على الفعل”. لا يمكن تبني قضايا تتجاوز قدرتنا على التأثير فيها. العمل الحقوقي يمكن أن يكون كوني النزعة، أما العمل السياسي فهو مشروع يُبنى ضمن حدود المسؤولية، وإلا فقد معناه.
عندما نتحدث عن القضية الفلسطينية، فهي قبل كل شيء قضية الفلسطينيين، وهم المعنيون أولاً بإنتاج أدوات حلها والنضال من أجلها، كلٌ بحسب موقعه. هذا لا يلغي التضامن، لكنه يضعه في إطار مختلف: دعم مشروط باتفاق على ثوابت واضحة، ودعم متبادل، لا ذوبان ولا إلغاء للذات.
أنا كسوري، مسؤوليتي الأولى هي تجاه قضيتي الوطنية: سوريا، حريتي، كرامتي، ومستقبل بلدي. هذه ضرورة سياسية. لا يمكن أن أعلّق قضيتي أو أذيبها في قضية أخرى، مهما كانت عادلة.
التقاطع ممكن عندما يقوم على هذا الأساس تحديداً: دعم مشروط ومتبادل، حيث أدعم الفلسطيني في نضاله ضمن ثوابت واضحة، وفي المقابل يكون دعمه لي في نضالي قائماً على نفس المبدأ. هنا ينشأ تحالف بين قضيتين مستقلتين، لا علاقة تبعية بينهما ولا اندماج قسري.
أما فكرة “القضية الأولى”، فأراها خطاباً يجب القطع معه. فلسطين هي القضية الأولى للفلسطينيين، كما أن سوريا هي القضية الأولى للسوريين، ولبنان للبنانيين. هذا هو الترتيب الطبيعي لأي مشروع تحرر فعلي، وعندما ينجح كل طرف في معركته، يصبح التضامن أكثر واقعية وأقل شعاراتية.
وإلى أن أصبح يوماً في موقع القوة الذي يسمح لي بدعم كل القضايا العادلة، أبقى مطالباً اليوم، وهنا، بأن أنتصر أولاً لقضيتي ووطني، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ..
****
رد من رولا ركبي
لا فرق بين الناشط السياسي والحقوقي: السياسي الذي لا يجعل القضايا العادلة مرجعيته يتحول إلى أداة يستخدمه متسلطو العالم ثم يتخلون عنه بعد انتهاء حاجتهم.
إذا قبلنا أن يكون الظلم مسألة محلية لا تعنينا إلا بقدر قدرتنا على التأثير، فإننا نعيد إنتاج نفس المنطق الذي نرفضه كسوريين.
اعتبار فلسطين “قضية الفلسطينيين فقط” ليس واقعيًا أخلاقيًا، بل تبرير للانسحاب من مسؤولية العدالة.
العدالة لا تُجزأ: إما أن تكون مبدأ ثابتًا، أو تتحول إلى أداة انتقائية حسب المصلحة.
السياسي الذي لا يعتبر القضايا العادلة مرجعيته يتحول إلى أداة للمتسلطين، والعدالة لا تُجزأ ولا تُترك لتقدير القوة فقط.
أقول قولي هذا وأكتفي.