عندما قُصّ شعر الكرديّة
ريتا خير بك
الوحش قد استفاق عندما قُصّ شعر الكرديّة.
لقد استفاق الوحش، وصديق طفولتي يريدني سبية.
لم أفهم المشهد أولا بوصفه خبراً عابراً أو فيديو آخر يمرّ في السيل. فهمته كعلامة: كأن اليد التي تقص الشعر لا تقصّ خصلاتٍ فقط، بل تقص آخر خيط رفيعٍ كان يربط الإنسان بفكرة الإنسان. هناك، في تلك الحركة الصغيرة، شعرت أن شيئاً ما قد انكسر في الداخل الجمعي، وأن ما ظنناه “وعياً” أو “تعليماً” أو “مدنية” يمكن أن ينسحب في لحظة، وتظهر تحته طبقةٌ أقدم طبقة بلا أسماء: غريزة القطيع حين يُطلق لها العنان، وفتنة السلطة حين تتجسد في جسد ضعيف.
ثم جاءت الضربة التي لم أتوقعها من حيث الألم: أصدقاء الطفولة من الطائفة السنية الكريمة . ليس واحداً ولا اثنين، بل كثيرون يشاركون أغاني عبد الباسط الساروت، ويستحضرون صوته كما لو أنه قدّيس وطني، مع أن في ذاكرة هذه الأغاني جملة لا أستطيع سماعها دون أن ترتجف روحي: “شرطة نصيرية… بالذبح جيناكم”. ليست أغنية هنا، بل دعوة للذبح صياغة موسيقية لتحويل القتل إلى نشيد، والسبي إلى وعد، وإلغاء الآخر إلى طقس فرح. حين يضعها صديق طفولتي على صفحته، لا أسمع لحنَها؛ أسمع السكين وهي تُشحذ داخل اللغة.
وهنا يبدأ السؤال الذي ينهشني: هل كانت الصداقة كذبة؟ هل كانت ضحكاتنا، صورنا، الخبز والملح… مجرد قشرةٍ رقيقة فوق رغبة دفينة؟ هل كان يبتسم لي وفي داخله مشروع قتلي؟ هل كان يحملني في ذاكرته كإنسانة، أم كاحتمال “غنيمة” مؤجَّلة؟
هذا النوع من الرعب لا يأتي من العدو المعلن؛ يأتي من اكتشاف أن القرب ذاته قد يكون قناعا، وأن الذكريات يمكن أن تُنهب هي الأخرى، كما تُنهب البيوت، دون صوت.
لكنني، كلما اقتربت من الحقيقة، أرى أن الأمر ليس “وحشاً فردياً” يسكن هذا الصديق أو ذاك، ولا جيناتٍ تُفجر القتل في طائفةٍ أو شعب.
الوحش، في جوهره، جهازٌ اجتماعيٌّ يستيقظ عندما تُمنح الجماعة ترخيصاً أخلاقياً لتُسقط إنسانية خصمها. إنّه لحظة انتقال الناس من قول: “نحن نختلف” إلى قول: “هم ليسوا بشراً مثلنا”. عند هذه العتبة بالضبط تصبح الكلمات أسلحة، وتتحول الشتائم إلى تعريفات، وتتحول الألقاب المهينة إلى “هوية رسمية” تُعلّق على رقبة الضحية كي لا يُرى وجهها. حين تُقال كلمة مثل “نصيري” بهذه الطريقة، فهي لا تصف مذهباً، بل تبني مسافةً نفسية تتيح للقاتل أن ينام بعد الجريمة، وللمصفق أن يشعر أنه “طاهر”.
الذي يرعبني أكثر من الجهادي القادم من أقصى الأرض، أن الوحش قد يسكن من يلبس ربطة عنق ويحمل شهادة دكتوراه، لأن هذا النوع من الوحش لا يحتاج إلى سكينه بيده؛ يكفيه أن يبارك السكين من بعيد، أن يصفّق للذبح بوصفه “تصحيحاً للتاريخ”، وأن يجمل السبي بوصفه استعادة للكرامة وأن يبتلع الفضيحة ثم يخرج ليكتب عن الدولة والقانون والحداثة.
هنا يظهر ما يسميه العقل، حين يفسد، “التبرير”: قدرة الإنسان على تحويل الفعل الشنيع إلى ضرورة، وتحويل الضحية إلى سببٍ لقتلها، وتحويل القاتل إلى منفّذٍ لإرادة أعلى، أو لجرحٍ قديم، أو لثأرٍ مقدس. بهذه العملية يصبح العنف اقتصاداً نفسياً: يشتري به الفرد شعوراً سريعاً بالقوة والانتماء والمعنى، خصوصاً عندما يشعر بالهزيمة أو الإذلال أو الفراغ. الأغنية في هذه الحالة ليست فنّاً؛ هي حبوبُ شجاعة للضمير كي يغيب.
ولأنني كنتُ طفلةً بينهم، أعرف كيف تُصنع هذه القسوة: تبدأ كحكاياتٍ صغيرة في البيوت، كنكتةٍ عن طائفة، كغمزةٍ في المدرسة، كتصنيفٍ في الحارة: “هؤلاء كذا… أولئك كذا”. ثم يأتي زمن الأزمة، فتُفتح الخزائن القديمة، ويُعاد تسليح المخزون الرمزي كله: الدين، الشرف، النقاء، الرجولة، الثأر. في زمن السلم قد يعيش الإنسان تناقضه بأدب: يحب صديقته المختلفـة، ويأكل من يدها، ويضحك معها. لكن في زمن التعبئة، تُعاد برمجة الذاكرة: تُمسح التفاصيل الإنسانية وتبقى العلامة. يصبح الخبز والملح “حادثةً شخصية” لا وزن لها أمام “هويةٍ كبرى” تطلب الولاء. وهنا أفهم لماذا يشاركون تلك الأغاني تحديداً: لأنها تمنحهم شعوراً أن التاريخ يقف معهم، وأن العنف ليس انحرافاً بل عودة إلى “الأصل”.
في التحليل النفسي، هناك لحظة يسمونها الانقسام: أن يقسم الإنسان العالم إلى خيرٍ مطلق وشرٍ مطلق كي لا يحتمل تعقيده. هذه آلية طفولية، لكنها حين تلبس ثوب الجماعة تصبح كارثة. لأن الجماعة تمنح الفرد راحةً مُخدِّرة: لم يعد مضطراً لأن يرى وجه الضحية، أو يسمع صراخها كصراخ أمّ تشبه أمّه. يكفيه أن يقول: “هؤلاء يستحقون”. وهكذا يختفي الشعور بالذنب، لا لأنه زال، بل لأنه دُفن تحت نشيد. أغنية “بالذبح جيناكم” ليست فقط تهديداً؛ هي جدارٌ يُبنى داخل السامع كي لا يرى نفسه وهو يهوي.
وأنا، في وسط هذا كله، أقف كمن فقد وطنين في آنٍ واحد: وطن الأرض ووطن الذاكرة. الأرض تُقتلع منا بالقتل والخطف والسبي، والذاكرة تُقتلع بهذه المشاركة الباردة التي تقول لي: “ضحكاتنا لا تمنعني من التصفيق لذبحك”. لا أحتاج منهم أن يحبوني، ولا أن يتفقوا معي سياسياً.
كنت أحتاج شيئاً أبسط: أن يعترفوا بأنني إنسانة، وأن جسدي ليس ساحةً لثأرهم، وأن تاريخي ليس مادةً لفرحهم. كنت أحتاج منهم أن يتوقفوا عند الحد الأدنى الذي يجعل المجتمع ممكناً: ألّا تحول الإبادة إلى أغنية.
الصدمة التي أعيشها الآن ليست مجرد خيبة صداقة؛ إنها اكتشاف هشاشة الإنسان المتعلم حين يُختبر أمام إغراء التفوق الطائفي. أن ترى شخصاً درستَ معه، وأكلتَ معه، وربما شاركك حزناً قديماً، ثم تكتشف أنه قادر أن يعيدك إلى موقع السبية بكبسة مشاركة.
هذه ليست شجاعة، ولا ثورة، ولا ذاكرة وطنية؛ هذه استعادة لأسوأ ما في التاريخ حين يصبح الإنسان شيئاً يُنقل ويُمتلك ويُستعمل.
أكتب بصيغة المتكلم لأنني أنا المعنية بهذا الانهيار: أنا التي أتلمس وجهي في المرآة وأسأل إن كان وجهي، في عيونهم، وجهاً أم لافتة. أنا التي أحمل الخبز والملح كدينٍ ثقيل، وأرى الآخرين يضعونه جانباً كأنه تفصيل. ومع ذلك، إن كنتُ أريد أن أبقى واقفة، عليّ أن أسمّي الأشياء بأسمائها دون أن أتحول أنا أيضاً إلى وحش.
أن أرى الوحش كمنظومة: منظومة خطابٍ وتعبئةٍ وتطبيعٍ وإفلاتٍ من العقاب، لا كقدرٍ بيولوجيٍّ لطائفةٍ أو شعب. لأن أخطر ما يريده الوحش، بعد أن يوقظ القتل، أن يوقظ في الضحية مرآته: أن يجعلني أصدق أن العالم كله سكين، وأن الصداقة كلها كذب، وأن الإنسان لا يرجى منه إلا السبي والذبح.
أنا حزينة على صداقة العمر، نعم. حزينة على صورنا وضحكاتنا وعلى تلك اللحظات الصغيرة التي كانت تقول: يمكن أن نعيش معاً. لكنني الآن أفهم أن العيش معاً ليس ذكريات؛ هو موقف أخلاقي يومي، يتجدد حين تتعالى أغنية تدعو للذبح. وفي هذا الاختبار، سقط كثيرون. ليس لأنهم فقراء في المعرفة، بل لأنهم فقراء في الشجاعة: شجاعة أن يقولوا لجماعتهم “لا”. شجاعة أن يحموا الإنسان في الآخر، حتى لو كان مختلفاً، وحتى لو كانت الجموع تصفق للوحش وهو يستفيق.