الجذور الداروينية للموالاة..

نشوان أتاسي

(قصص للأطفال)، كان هذا عنواناً لزاوية أسبوعية في صحيفة تشرين السورية منتصف سبعينيات القرن المنصرم، وكان يحرر هذه الزاوية الكاتب الكبير الأستاذ زكريا تامر، وقد نشر في واحد من أعدادها القليلة - قبل إيقافها - قصة جميلة ومعبرة لا زلتُ أذكرها، وسأحاول سردها من الذاكرة (لكن بتصرف)، مع الاعتذار المسبق لأستاذنا الكبير، إن لناحية الأسلوب أو لجهة جزالة اللغة:
يحكى في قديم الزمان أنه كان هنالك أمير يعيش في قصره ذي الأسوار العالية وسط غابة كبيرة ممتدة الأطراف.
كان هذا الأمير يعيش عيشة بذخ وترف، وفي كل ليلة كانت تقام الأفراح والليالي الملاح في قصره، ويصدح الشعراء والمطربون بالغناء تمجيداً لكرمه وعطاياه.
لم يكن هنالك من شيء ينغص على هذا الأمير اللاهي حياته سوى أمر واحد؛
ففي كل ليلة، بعد أن يفرغ من الطعام والشراب ويذهب إلى فراشه للنوم، كانت الذئاب في الغابة تتجمع تحت أسوار القصر العالية وتبدأ في العواء فتقلقه وتمنعه من النوم فيصدر أوامره إلى الحرس والعسس بملاحقتها وقتلها، لكن دون جدوى، فقد كانت تعود في الليلة التالية ويتكرر الأمر ذاته، والأمير حائر لا يرى حلاً لمشكلته تلك!
في إحدى المرات شكا لوزيره حاله التي وصل إليها من قلة النوم بسبب هذه الذئاب المزعجة، فاقترح عليه الوزير الداهية حلاً بدا للأمير معقولاً؛
قال له الوزير: يا مولاي هذه الذئاب جائعة ولا تريد سوى الطعام، وفضلات موائدك العامرة في كل ليلة قادرة على إطعامهم وملء بطونهم، وإن هم شبعوا سيعودون إلى الغابة ولن يزعجوك في منامك.
راقت الفكرة الذكية للأمير، وفي نهاية ليلة الأنس التالية، أمر حرسه وخدمه بجمع كل فضلات الموائد والصعود إلى أسوار القصر ورميها إلى خارجه، وتم ذلك على الفور.
حضرت الذئاب، فوجدت أمامها هذه الكميات الهائلة من الطعام... لكن حصل أمر لم يكن في حسبان الوزير الداهية؛
لقد انقسمت الذئاب إلى فئتين: فئة منهم رفضت تناول فضلات الطعام المرمية من أعلى أسوار القصر وعادت إلى الغابة، وظلت على عادتها تأتي كل ليلة مانعة الأمير من النوم بعوائها؛
أما الفئة الثانية فقد قبلت بتناول الفضلات وغدت مقيمة عند الأسوار، بل أصبحت هي الحارسة لها، وبدأت بصد هجمات "إخوتها" السابقين من الذئاب دفاعاً عن قصر الأمير؛
ومن هذه الفئة الثانية نشأت فصيلة الكلاب! 
11 يناير 2018