هذا أبي..
باسل علي الخطيب- فينكس
الكلمات أدناه ليست مجرد قصة حياة أو سرداً للذكريات، الكلمات أدناه عبرة ورسالة ونهج...
ولاتقولوا لي لانستطيع، هناك من استطاع....
والدي قدوتي...
ليس لأنه والدي، إنما لأنه قد أعار الله جمجمته...
والدي كان رجل دين...
كان رجلاً، و كان (صاحب دين)..
كان خلقه الأسمى (التواضع)، لم يكن يرضى أن يقبل أحد يده، و إن أصر أحد على تقبيل يده كان يقبل يده بالمقابل...
لم يكن يرضى أن ينحني أحد قباله إلا و أنحني قباله....
دخل جيب أبي الكثير من المال، فقد كان (شيخ المنطقة)، و لكنه لم يكتنز ذاك المال أبداً، فلم يعمر قصوراً ولا دوراً، لم يقتن السيارات، لم تلبس زوجته أمي الحلي، بيته بيت الشيخ علي إبراهيم الخطيب، أبو باسل، كان بيتاً متواضعاً جداً، بيت أبي بلا بلاط حتى تاريخه، شبابيكه و أبوابه ليسوا من الألمنيوم، و دهانه (طرش)، و الأثاث جداً متواضع،...
كان أبي يهوى الجلوس على (طراحة) قديمة على الأرض، يقضي الساعات عليها قراءة و زهداً و تعبداً....
ذاك المال الذي دخل جيب والدي، لم يبق في جيبه إلا إلى ذاك الحين حتى يجد سبيله إلى مساعدة الفقراء و المحتاجين و المساكين و إخوانه....
لم ينفق أبي من ذاك المال ولا ليرة، أعيدها ولا ليرة على حاجاته الخاصة أو في بيوت أولاده، أو لأولاده..
كان يكفيه من المال أن يكفيه حياته البسيطة جداً و كفى، و لن تصدقوا كم كان والدي بسيطاً في متطلباته من الدنيا....
نعم، كان والدي أنيقاً، لكن هي تلك الأناقة البسيطة الكريمة، ان يظهر للناس على أفضل حال شكراً و إظهاراً لنعم الله عليه...
لم يستغل أبي موقعه أنه شيخ المنطقة بإرهاق مريديه في حاجات خاصة، وقد كان مريدوه كثر جداً، بل كان هو من يساعد مريديه مادياً أو غير ذلك إن استطاع إلى ذلك سبيلاً..
أبي كان بسيطاً، بسيطاً كالماء، واضحاً كطلقة، حاداً كمشرط جراح في ما خص حدود الله، (تلك حدود الله فلا تقربوها) هذه كانت عقيدته، لا يفرط في حق أحد من الناس أو يتجاوز على حد من حدود الله و لو وضعوا نصف الدنيا في يمينه ونصفها الآخر في يساره...
كان في قومه يلقبونه (الصالح)، و لشدة حرصه على الحقوق، حقوق الناس أو حقوق الدولة وقد كان مختار القرية، كان بعضهم يصفه أنه (صعب المراس)....
أبي لم يكن ذاك الرجل الصالح فحسب، بل كان (مصلحاً)، تلك كانت رسالة حملها عل كتفه بكل أمانة وحزم وتفاني، وهذا ما كان ليعجب الكثير من الناس...
و لكن متى كانت الناس تحب (المصلح)؟!..
دلوني على قوم أحبوا نبيهم...
ثلة في الأولين، و قليل في الآخرين....
والدي لم يتوقف عن القراءة و الأسئلة حتى آخر يوم في حياته، كم كان يهوى التعلم، تعلم كل العلوم، الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الفلك، التاريخ، الجغرافيا....
لطالما كان يطرح علي الكثير من الأسئلة في الكثير من المواضيع، و نتناقش لساعات، يطلب مني المراجع في مواضيع مختلفة، لم يكن يفارقه القرآن في ساعات نهاره و ليله، يتدبره لساعات يومياً، كان والدي ذو عقل جميل، و قد كان العقل دوماً مرشده ودليله ومرجعه، لذلك كان منفتحاً على أي نقاش، دون استهتار بمن يناقشه، أو ترفع عن موضوع النقاش...
والدي لم يكن (شيخ) الآراء المعلبة والحفظ و التلقين، بل كان (شيخ) التدبر والتعقل والتفكر والتذكر...
طيباً كان أبي، وكانت دمعته سهلة أحياناً، اذكر عندما وصله خبر استشهاد اخي، أن تلك الدمعتين اللتين نزلتا من عينيه قد لخصتا كل تاريخ هذي الجبال، جبال التين والزيتون...
في تلك الأيام في فترة العزاء، كان يخرج والدي ليلاً خارج البيت في القرية، حيث هناك ارض صغيرة تحيط بالبيت، يجلس في تلك الزواية، وليس بينه وبين السماء إلا ذاك القلب وتلك النجوى....
في اليوم التالي نهاراً كان يقف في (المبرة) يتلقى التعازي كالسد العالي، شامخاً مؤمناً مسلماً راضياً تقياً....
هكذا كان أبي....
بقية من ولي....
وبضعة من نبي...
أفتقد أبي، ليس لأني أحبه فحسب، أفتقد جلساتنا يوم الجمعة من كل اسبوع، أن أحكي له ما فعلته خلال أيام الاسبوع، حتى أرى تلك النظرة في عينيه، نظرة الرضى، وأسمع تلك الجملة (الله يرضى عليك يا باسل)....
هذا ابي....