العروبة والإسلام
باسل علي الخطيب- فينكس
إذاً، صار بعضنا أو كثيرنا يخجل من عروبته، بل يكاد يتبرأ منها، كأنها شيناً أو عاراً، وذلك كردة فعل على ما اقترفه ويقترفه (ذو القربى) إياهم هنا أو هناك....
حسناً، إن تنبرأ من عروبتك لأن أحدهم قد تنكر لها، كأن تتبرأ من دينك أو معتقدك، لأن بعض من ينتسب إليه أو أكثرهم قد جعل ربه هواه في فهم هذا الدين أو ذاك المعتقد....
هذه كهذه، حذو النعل بالنعل...
قولوا لي، ماذا ينقص الشمس أو يزيد عليها أن أشعتها تسقط على الازهار وعلى أكوام الزبالة؟... العلة في معدن المتلقي وليست في جوهر الشمس، فالشمس هي الشمس، إنما تمايزت المعادن التي تتلقى ذاك الاشعاع، فبعضها من شف ولطف جوهره ففاح بزاكي الروائح كالأزهار، وبعضه من اسود كنهه وغلظت سماكته فأنتن الهواء من حوله....
العروبة هي تلك الشمس وكذلك الاسلام.... نعم، لطالما كانت تزعجني عبارات من قبيل (الاسلام المعتدل) أو (الاسلام الوسطي)، وكأن هناك إسلاماً آخراً هو (الاسلام المتطرف)، هذا الكلام الذي أقوله وسأقوله قد قلته سابقاً أول مرة في محاضرة ألقيتها في المركز الثقافي في طرطوس في حزيران 2011....
خذوا علماً، لايوجد شيء اسمه (اسلام وسطي) أو (اسلام معتدل) أو اسلام (متطرف)، هذه مصطلحات سوقتها الدعاية الغربية كأسلوب من أساليب كي الوعي وتسطيحه، وانقدنا إليها كالامعات أو أضل سبيلا، حتى أنها شكلت لنا عقدة ذنب أو شكلاً من أشكال الوسواس القهري وضعتنا في موقع المدافع أو المذنب دوماً....
الفضيلة هي كل وسط بين رزيلتين، فضيلة الكرم هي الوسط بين رزيلتي البخل والاسراف، فضيلة الشجاعة هي الوسط بين رزيلتي الجبن والتهور، وهكذا.... لذلك قيل أن خير الأمور أوسطها....
وعليه، الاسلام هو ذاك الوسط، هو تلك الفضيلة بين رزيلتي الكفر والتكفير....
عدا عن ذلك لايجوز في اللغة تعريف المعرف، فكيف نقول عن المعتدل أنه معتدل؟ كذلك هو الاسلام، هذه العقيدة تمثل الوسطية بل هي عين الوسط، فكيف نعرفها وتقول الاسلام الوسطي وهي تحمل في معناها هذا التعريف؟....
نعم، هناك الاسلام والاسلام فقط، وماعدا أو غير ذلك معتقد أو دين آخر...
أضف إلى ذلك، طفت على السطح في سياق عملية التشويه أو كي الوعي، على فكرة مفهوم كي الوعي أقصد به أن تتحول تلك المصطلحات إلى بديهيات أو مسلمات نرددها ونأخذ بها ونبني عليها...
إذاً طفت على السطح مصطلحات من قبيل (الاسلام السياسي)... هذا المصطلح هو باطل يراد به باطل، نعود إلى اللغة مرة اخرى، لايجوز جمع كلمتين متناقضتين في جملة واحدة بحيث تكون أحدهما توصيفاً أو تعريفاً للاخرى.... الاسلام يمثل الاستقامة وصورته خط مستقيم ليس له من بداية أو نهاية، أما كلمة السياسة فتحمل في طياتها كل أشكال التلوي والتلون والتبدل والمراوغة والمناورة....
لذا لايجوز أن نجمع كلمتي الاسلام والسياسة في مصطلح واحد، ولكن نقول (التأسلم السياسي)، فكلمة التأسلم حالها كحال كلمات مثل: التراضي، التعايش، التحابب، التآخي... لاتعني أبداً الرضى أو العيش أو الحب أو الأخاء، إنما قاربتها في الشكل نسبياً، ولكنها بعيدة عنها بالمطلق في الجوهر....
هل فهمتم مالذي قصدته بكي الوعي؟....
أما العروبة، فهذه ماكانت يوماً مفهوماً قومياً، أي أنها نسبة لقوم بعينهم.... يقول السيد الرسول عليه وآله الصلاة والسلام " ألا أن العربية ليست لنا بأب أو أم، إنما العربية هي اللسان....."...
ماهو اللسان؟...
اللسان ليس لغة ًوحسب، اللغة هي واحدة فقط من تجليات اللسان الكثيرة، اللسان بمفهومه العام هو الثقافة، هو الفكر... اللسان هو أهم تجليات العقل، في القرآن الكريم الكثير من الكلمات والحروف الغير (عربية)، ولكن كان القوم يفهمونها.... لم يقل الله سبحانه تعالى: أنزلناه بلغة عربية مبينة، إنما قال في الذكر الحكيم " .... بلسان عربي مبين..."، عدا عن ذلك لم تذكر كلمة عربي في القران الكريم إلا في موضع المدح والحمد، عكس كلمة اعرابي، التي جاءت دائماً في موضع الذم، هذا يقودنا إلى جذري الكلمتين، جذر كلمة عرب هو الفعل عر، وتعني فصل الصالح عن الطالح، واغلقت الكلمة بحرف الباء لتكون فصلاً مطلقاً مابين الحق والباطل، أن العربي هو من يعرف الحق ويناصره، وينكر الباطل ويحاربه، لذا كان قول السيد الرسول عليه وآله الصلاة والسلام" أنا اعربكم"... أي أنا أكثركم معرفة بالحق ونصرةً له، واكثركم نكراناً للباطل و حرباً عليه....
أما كلمة أعرابي فجذرها اعر، وفي اللغة عندما يدخل حرف الهمزة على اول الفعل يقلب معناه بالمطلق إلى عكسه، فعندما نقول نز ضرع البقرة يعني درت الحليب، أما عندما نقول أنز ضرع البقرة، أي أنه نشف ضرعها من الحليب...
وعليه يكون معني كلمة أعرابي ذاك الذي يناهض الحق ويناصر الباطل، وهذا ما نراه من حولنا ممن هم ظاهراً ذوو قربى نتكلم وإياهم ذات اللغة وندين وإياهم بذات الدين، ولكن أبعد مايكونوا عن كليهما.....
نعم، العروبة ليست مفهوماً قومياـ إنما هي ثقافة، هي منظومة أخلاقية، تمثلها تلك الآية الكريمة، أن الله عز وجل خاطب السيد الرسول قائلاً: و أنك لعلى خلق عظيم.... يختزلها لنا حديث السيد الرسول أنه قال " ادبني ربي فأحسن تأديبي"....
العربي ليست اسماً إنما هي صفة، وفي أعلى تجلياتها هي رتبة، ولاينالها إلا ذو حظ عظيم....ولكن متى كان الكرام أو الرجال إلا قليلُ ؟