السودان الآن.. وقريباً مصر

باسل علي الخطيب- فينكس:
أن تبدأ حركة النزوح للسودانيين إلى خارج البلاد، هذا يعني أن ذاك البلد قد تم وضعه على طريق التشظي، هذه الحرب هي حرب المئة عام، و من كان يظن أن التغريبة السودانية قد بدأت 1956 فهو واه، التغريبة السودانية الحقيقية بدأت لتوها....

ليس لأحد مصلحة أن تبقى السودان موحدة، صراع الافرقاء الدوليين في السودان ليس صراعاً على بقاء الدولة أو على شكل الدولة أو اتجاه الدولة، القاسم المشترك بينهم جميعاً أنهم كلهم هو أنهم لا يريدون بقاء الدولة السودانية، و الأهم لا يريدون بقاء الحغرافية السودانية موحدة، الكل يريد حصته، الخلاف فقط على حجم الحصة و موقعها...
هذه الحرب لا تشبه الحرب التي حصلت في بلادنا في العقد الماضي من ناحيتين رئيسيتين، (الحرب السورية) كانت حرباً على سوريا، و هكذا حروب دائماً تنتهي بمنتصرين و خاسرين، (الحرب السودانية) هي حرب في السودان، هكذا حرب تنتهي دائماً بالكل رابح إلا الدولة و الجغرافيا السودانية...
كل الأطراف الدولية و الإقليمية ستنتفع قولاً واحداً من تقسيم السودان، نحن نتحدث هنا عن طيف واسع من الدول، فالضحية كبيرة و ذات إمكانات و ثروات أكبر...
إن تحدثنا عن الأطراف الاقليميين، ستكون إثيوبيا المستفيد الأكبر من دول الجوار، و كذلك كينيا و تشاد ودولة جنوب السودان و ليبيا و أريتيريا، لن يحزن أحد على السودان كدولة، الخاسر الإقليمي الوحيد هو مصر، و التشظي الذي سيصيب السودان، مع حركة النزوح السودانية باتجاه مصر، سينقل التأثيرات السلبية للحرب السودانية إلى الداخل المصري...
قد يقول قائل ألا تعي القيادة المصرية الخطر المحدق القادم و قريباً إلى مصر من تداعيات الحرب السودانية؟...
سبق و تحدثنا عن العقلية الكافورية الإخشيدية التي تحكم مراكز صنع القرار في مصر، و شرح هذه العقلية لا يحتاج الكثير من الجهد لمن يعرف من هو كافور الإخشيدي، و الذي يجسده في عصرنا الحالي عبد الفتاح السيسي بكل أمانة وإتقان...
الغريب أن تكون هذه العقلية قد تغلغلت حتى إلى مراكز الثقل الأساسية ضمن الدولة العميقة، أيعقل أن الدولة المصرية قد ناءت بحملها السكاني و الاقتصادي و الاجتماعي إلى تلك الدرجة أنها صارت عاجزة عن النهوض حتى للدفاع عن نفسها أو وجودها؟....
لم أعد أتحدث عن الدفاع عن المحيط الحيوي لمصر، فمنذ سقط من العقلية المصرية التفكير الاستراتيجي أن الأمن القومي لمصر و المحيط الحيوي لمصر يبدأ من بلاد الشام، فقدت مصر بوصلتها، يذكر التاريخ أن أكبر معركة في التاريخ القديم قبل الميلاد، خاضتها مصر ضد الحيثيين القادمين من الأناضول عند تل مندو جنوب غرب حمص، و هي معركة قادش، حيث كان يعرف المصريون القدماء أهمية ألا تسقط بلاد الشام في أيدي الحيثيين، لما في ذلك تهديد وجودي على مصر...
لا يذكر التاريخ أبداً أن مصر قد تعرضت لخطر وجودي من الجنوب أو الغرب، دائما كان يأتيها الخطر من الشرق عندما تسقط البوابة الشامية، المرة الوحيدة التي دانت فيها مصر لأقوام أتوا من الشرق، كان ذلك حدثاً عظيماً ومفيداً لمصر، عندما دخلها الفاطميون وبنوا القاهرة و اتخذوا منها عاصمة للدولة الفاطمية...
أخطأت مصر عندما حاصرت غزة، أخطأت مصر عندما تخلت عن سوريا في هذه الحرب، نحن هنا لا نتحدث عن ذاك الجنون، أنه من قلب القاهرة أعلن الإخوان الجهاد على الدولة السورية، ذاك كان انتحاراً سياسياً ساذجاً، المفارقة أن العقلية الكافورية الإخشيدية التي تحكم مصر، قد تراجعت عن كل القرارات التي اتخذها الإخوان أثناء فترة حكمهم لمصر إلا عن القرار الأهم و الأخطر، ألا و هو قطع العلاقات مع الدولة السورية...
مصر و منذ استلام أنور السادات الحكم فيها عام 1970، و من ثم تغلغل الوهابية المقنعة في الحياة المصرية بكل نواحيها، بدأت تفقد روحها، و قد فقدت بوصلتها مع اتفاقيات كامب ديفيد 1979، المصاب الأكبر أن العقلية الكافورية الإخشيدية أفقدت مصر مفهوم هاجس البقاء، أو الحساسية نحو الأخطار الوجودية...  
نعم، لم أعد أخاف على السودان فالقضية صارت وراءنا، و أمر السودان قد حُسم، أنا الآن أخاف على الخطر الوجودي الكبير على مصر...