هدوء ماقبل العاصفة...
باسل علي الخطيب- فينكس:
يوجد في علم ميكانيك السوائل قانون يسمى قانون برنولي، القانون يقول "إن مجموع الضغط و الطاقة الحركية والطاقة الكامنة الثقافية لواحدة الحجوم يبقى ثابتاً، عند أي نقطة من نقاط الانسياب لسائل جريانه مستقر"...
هذه النظرية تطابق نظرية مصونية الطاقة التي تقول "إن مجموع الطاقة الحركية والطاقة الكامنة لجسم ما يبقى ثابتاً، وان الطاقة لاتفنى و لاتنشأ من العدم، وأنها تتحول من شكل إلى آخر"....
يشبه الوضع في العالم حالياً الفترة قبيل الحرب العالمية الثانية إلى حدود التطابق....
قبيل الحرب العالمية الثانية، كان العالم الرأسمالي يمر بأزمة اقتصادية كبيرة وخانقة، جسدتها فترة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي، أضف إلى ذلك أن القوتين العظميين الأساسيين أنذاك كانتا الإمبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية قد بدأتا مرحلة الأفول، وتكافحان للإبقاء على تفوقهما في وجه قوى صاعدة آخرى، هي ألمانيا الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة واليابان....
ولاداعي للتذكير أن نتائج الحرب العالمية الأولى قد وضعت بذور الحرب الثانية، عندما تم تحجيم وقهر ألمانيا بتلك الشروط القاسية، ولاتستهينوا بالشعور القومي للأمة الجرمانية....
عدا عن ذلك كان العالم يدخل العصر الكمومي، و لا أقصد على المستوى العلمي الفيزيائي فحسب، إنما على المستوى الفلسفي والفكري....
النظرية الكمومية في أحد تجلياتها فتحت الباب على مصراعيه على مفهوم عدم الحتمية، وأن كل شيء خاضع للارتياب، وهذا كان مقدمة لانقلاب فكري وأخلاقي هائل....
أضف إلى ذلك كان الفن والرواية يدخلان المرحلة السريالية والتكعيبية، حيث المعالم غير واضحة، والزوايا حادة، والرسائل المبطنة أكثر من الرسائل الظاهرة.....
عالمنا الآن يشبه ذاك العالم، حالة من العدمية والفوضى وعدم الاستقرار وعدم الامان، والأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات، ولاتنسوا أن العالم آنذاك كان يخرج من جائحة الانفلونزا الإسبانية التي فتكت بعشرات الملايين وقتها، والآن يخرج من جائحة كورونا....
منطقتنا ليست بعيدة عن وضع العالم ككل، تعيش الوضع إياه الذي يعيشه كل العالم والذي تحدثنا عنه أعلاه، ولأنها منطقة تأثر وليس تأثير، مع أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية والعقائدية للكل، ستكون أحد ساحات تصفية الحسابات وتدفيع الأثمان.....
تجدر الإشارة هنا وفي هذا السياق أن الحرب العالمية الثانية قد طالت أغلب بقاع العالم، كل أوروبا من لندن وصولا إلى موسكو، شمال افريقيا، بلاد الشام، ايران، الهند الصينية الصين، كورية، كل المحيط الهادئ من اليابان إلى القارة الأوقيانوسية إلى هاواي، بعض المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي، مع عمل استخباراتي غطى أغلب دول العالم.....
هناك جملة من التحولات والتغيرات المتسارعة في منطقتنا خلال السنتين السابقتين، تحمل كلها صفتين هما: الجذرية و العشوائية، وأقصد بالعشوائية أن أغلبها ليس خاضعاً للتخطيط او اعادة التقييم.....
قد يكون أكير هذه التحولات هو التخلي المتسارع للسعودية عن الأيديولوجية الوهابية، هذا التحول الذي يأخذ خطوات كبيرة ومتسارعة وخطيرة في كل الاتجاهات، وبحدث انقلاباً وتصدعاً في المجتمع السعودي، ولايلق القبول عند شريحة كبيرة من المجتمع السعودي، لأن البديل عن الوهابية كان الانحلالية المطلقة، وليس عمليات المراجعة أو إيجاد بدائل ثقافية أو ايديولوجية، تلك الانحلالية التي تأخذ خطوات سريعة ومجنونة ومرعبة.... و لأجل ذلك أنشأت هيئة الترفيه برئاسة تركي آل الشيخ، ووضع بتصرفها ميزانية هائلة، على فكرة هذا الكائن المسمى تركي آل الشيخ هو مزيج من قارون وهامان وجحدر وأبو رغال ودون كيشوت و فاوست وراقصة الستربتيز ومالك كازينو الطاحونة الحمراء في باريس...
ولا أعتقد أن القبضة الأمنية ستكون قادرة لوحدها على ضبط نتائج التصدع في المجتمع السعودي.....
التحول الثاني الكبير هو ركن الايديولوجية الإخوانية على الرف إلى حين، بعد حالات الفشل المتكررة، وصولا إلى حالة من الانقسام أصابت الجماعة مع وجود أكثر من جماعة في بريطانيا وتركيا و سجون مصر، وأكثر من مكتب إرشاد.....
التحول الثالث هو حالة الضعف غير المسبوقة التي يعيشها حزب العدالة والتنمية في تركيا، ويعيشها اردوغان، لدرجة أن أردوغان مهدد لأول مرة على مدى عشرين عاما بخسارة انتخابات يخوضها، وقد دق الناقوس الخطر لذلك نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة.....
التحول الرابع هو تغير المواقف من الدولة السورية من الكثير من الدول، والذي كان في بعضه نتيجة التحولات أعلاه، و بعضه نتيجة الأمر الواقع، والأهم من ذلك أن الكل يريد أن تعود سورية ضابط ايقاع كما كانت قبل الحرب عليها، بعد أن فقدت المنطقة توازنها وعقلها من دون ضابط إيقاعها...
طبعا لاحظنا في ذات السياق من التحولات، المصالحة بين قطر والدول الأربعة ، المصالحة السعودية والمصرية والإماراتية مع تركيا، توقف الحرب في اليمن، دون أسس واضحة للحل السلمي النهائي، وبعض الأمور الصغيرة والثانوية الأخرى....
حسب مبدأ برنولي أعلاه، الطاقة الحركية في مسار أحداث المنطقة في درجاته الدنيا نوعاً ما، و الضغط و الطاقة الكامنة الثقالية في أعلى، بل في أقصى درجاتهما، والستاتيكو النسبي الذي تعيشه المنطقة هو ستاتيكو زائف، لأنه ليس مبنياً على عوامل ثابتة أو دائمة، إنما مبني على شكل من أشكال التعايش الذي يأخذ صفة الهدنة....
قد تكون منطقتنا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تخضع لمبدأ الأواني المستطرقة، فلا يمكن فيها أن تكون الحروب في كل مكان، ولايمكن فيها أن يكون السلام في كل مكان..
إن حصل وصارت حلحلة للوضع في سورية، وبدأت الخطوات باتجاه حل نهائي للازمة، هذا يعني أن النيران ستتجه إلى أماكن اخرى، وستكون الطاقة الحركية على أشدها فيها، بعد أن يكون الضغط وصل إلى حدوده القصوى...
أعتقد أن اتجاه هذه النيران سيكون إما مصر، حيث الأوضاع فيها وصلت من الناحية الاقتصادية والاجتماعية إلى مستويات خطيرة، أو أن هذه النيران ستكون مابين إيران والكيان الصهيوني، إن شن الصهاينة عدواناً على ايران، و أنا لا استبعد هذا الامر، لعوامل لها علاقة بإيران بالدرجة الأولى، فأن يكون نائب وزير الدفاع الإيراني ولمدة ثماني سنوات جاسوساً لبريطانيا، هذا أمر جلل....
وفي حال حصل هذا الأمر، لا أحد يضمن أن النيران ستتوقف عند حدود منطقتنا...